يشهد العالم تحولاً خطيرًا لا بد أن تنتبه إليه دول العالم الثالث، فقد أدركت هذه الدول أن القانون الدولي بمبادئه السامية يفسَّر على هوى الدول الكبرى، وأن العدل وهَيبة القانون قد أصبحا في يد الغالب.

 

ولعل ما يحدث في قمم الدول الثمانية الصناعية الكبرى وفي مجلس الأمن يترجم هذه الحقيقة التي تكشف عن أن هذه الدول تقتسم المغانم العالمية على حساب الدول الصغيرة، حتى لو اضطُّرَّت الدول الكبرى إلى تقديم تسوياتها علي طبق قانوني فاخر يتحلَّى بالمبادئ المعروفة ولكنه يضرُّ بها في الصميم.

 

فقد فرضت الولايات المتحدة على قمة الثماني في ألمانيا خلال الأسبوع الثاني من يونيو 2007 أجندتها العامة السياسية والبيئية والعسكرية، وضمنت أن الأمم المتحدة تعمل طوع هذا البرنامج، فبعد أن هدأت الزوبعة التي أثارها الرئيس الروسي حول الدروع الصاروخية وقدم اقتراحًا غريبًا مقابلاً، أدرك بوتين أن سباق التسلُّح ذاته بالغ التكلفة والخطر ولا يتحمَّله اقتصاد روسيا التي سقطت بين النار الشيوعية والجنة الرأسمالية؛ ولذلك وقَع المراقبون في لبس شديد، وانطلق بعضهم يؤكد في ثقة العارفين أن الحرب الباردة الجديدة قد بدأت، وأن قطبيها هما روسيا دون بقية الجمهوريات السوفيتية التي انقلب بعضها على روسيا، والولايات المتحدة دون بقية المعسكر الغربي، كما كان الحال في الحرب الباردة القديمة.

 

وقد غفل هؤلاء المراقبون عن حقيقة أساسية في تحليل الدبلوماسية الروسية والعلاقات الروسية الأمريكية عمومًا، وهي أن الحرب الباردة القديمة كانت نظامًا متكاملاً للعلاقات بين العملاقَين، سعى كلٌّ في إطارها إلى استخدام آلياتها ومن بينها سباق التسلُّح، أي أن سباق التسلُّح هو أحد أدوات وتجليات الحرب الباردة، أما الآن فإن سباق التسلُّح بذاته لا يؤدي إلى خلق مكونات الحرب الباردة، ولا يجوز في هذا المقام أن ينصرف الذهن بشكل آلي إلى حرب باردة بين الدولتَين كلما ضجَّ بوتين ونفد صبره من تضييق واشنطن عليه ومطاردته في عقر داره، وهو أمر يذكِّر بوتين بكل المرارة التي تجرَّعها، وهو يشهد سقوط الإمبراطورية السوفيتية الشامخة خلال سنوات قليلة.

 

وقد أفصحت روسيا عن قواعد اللعبة بصراحة عندما وجدت أن الصفقة لا ترضيها، بحيث تعلن موافقتها على الاتجاه الأمريكي بتصعيد الضغوط على إيران بسبب ملفها النووي وعلى السودان لكي يرغمها على القبول بنشر قوات دولية في دارفور.. هذه الموافقة والمسايرة من موسكو للاتجاه الأمريكي طمعًا في أن تخفِّف واشنطن من حدَّة لهجتها في مجلس الأمن، والتي تلحُّ فيها على استقلال كوسوفو، ليس حبًّا في أهل كوسوفو وإنما لأنها تعلم مدى تعلق هذه القضية بموسكو.

 

ومن الواضح أن موسكو قبلت على مضض هذا الاتجاه الأمريكي في صدد إيران والسودان، وهي تعلم مدى أهمية الضغوط على هاتين الدولتين في أولويات السياسة الأمريكية، وكانت موسكو تقدِّر أن هذا التنازل هو مقابل كوسوفو والدرع الصاروخية، وأدركت في الحال أن الصفقة غير متكافئة، فحاولت تصعيد الضغط على واشنطن، وذلك بالتهديد بأنها ستراجع موقفها الموالي لواشنطن بشأن إيران التي تجني من وراء التعاون معها أيضًا منافعَ اقتصاديةً جمة.

 

ومعنى ذلك أن الصفقة قد تعود إلى نقطة الصفر، فتعاود واشنطن مرةً أخرى الضغطَ من أجل استقلال كوسوفو، رغم تحذيرات بعض الدول الأخرى خاصةً في أوروبا الشرقية الحلفاء الجدد لواشنطن من مخاطر استقلال كوسوفو كسابقةٍ لمطالبة الأقليات العرقية في هذه الدول بالاستقلال هي الأخرى.

 

وقد لوحظ أن الصين التي دُعيت إلى قمة الثمانية الصناعية الكبرى لم تُثِر ضجةً أو تسجِّلْ موقفًا بشأن إيران أو السودان أو حتى كوسوفو التي تعترض الصين تمامًا على استقلالها، وتعتبر أن دفع كوسوفو نحو الاستقلال هو تدخلٌ صارخٌ في الشئون الداخلية لصربيا، خاصةً أن قصف يوغوسلافيا السابقة لأكثر من شهر من جانب قوات الناتو عام 1999 قد تسبَّب في أضرار بالغة بعد قصف السفارة الصينية في بلجراد.

 

من ناحية أخرى غادر الرئيس الصيني قمة الثمانية للقيام بجولة لأول مرة في أوروبا الشرقية التي أصبحت البوابة الأمامية للولايات المتحدة، وهي لفته تعني أن هذه المنطقة ليست حكرًا على النفوذ الأمريكي، وأن الصين التي تُثبت وجودَها في كلِّ المواقع تتقدَّم الآن بهدوء صوب أوروبا الشرقية.

 

هذا المشهد الذي تظهر فيه اتجاهاتُ التسوية بين الكبار، واتجاهات الغضب والقلق وعدم الرضا من القسمة، قد يتفكَّك على الأقل على المستوى النظري، ولكنَّ هيمنة الكبار على مقدَّرات القرار الدولي على حساب الدول الأخرى سيظلُّ قدَرًا لسنوات قادمة على الأقل، ربما حتى عام 2015، بعد أن تتضح معالم التطورات الجارية في بنية النظام الدولي، وهو أمرٌ يعتمد تمامًا على مدى هيمنة واشنطن وتسلُّل عامل الضعف- في القوة أو الرشادة- إلى السلوك الأمريكي.