الشعب المصري شعب ذكي ويفهم ما يدور حوله ويميز الكلام الصادق من الكلام الكاذب، وإن كان الحزب الحاكم يريد أن يستأثر بالسلطة لا يشاركه فيها أحد، ويريد الاستمرار في السلطة بحيث لا تنتقل إلى غيره لا اليوم ولا غدًا ولا في أي وقتٍ منظور ما دام هناك الحاكم وخليفة الحاكم وخليفة خليفة الحاكم.
هذا هو جوهر الصراع، ليس كما يراه المحللون السياسيون فقط ولكن كما يدركه عامة الناس بفطرتهم السليمة.
ومن حق الأحزاب الحاكمة أن تحاول البقاء في السلطة أطول وقتٍ ممكن لكي تنفذ برنامجًا أو لكي تحقق رغبات الناس وحاجاتهم، ولكن الشيء المؤكد في الأنظمة الديمقراطية- بل حتى شبه الديمقراطية- أن الأحزاب الحاكمة تريد أن تبقى في السلطة مستندة إلى إرادة الناس أو إلى قدرٍ من هذه الإرادة، لا لأن تبقى في السلطة بغير سندٍ على الإطلاق، إلا السند الأمني كما هو حادث عندنا وكما يعرفه القريب والبعيد.
والخطأ الكبير الذي ترتكبه هذه الأنظمة، تصوّر أن السند الأمني قادر على أن يبقيها مكانها إلى الأبد.
وقائع التاريخ كلها تقول: إن هذا التصور خطأ محض، النتيجة الوحيدة لهذا التصور أن النظام الحاكم يقع أسيرًا في قبضة جهازه الأمني وبدلاً من أن يكون الجهاز الأمني في يد النظام يصبح النظام هو الأداة والألعوبة في يد جهازه الأمني.
ما يدور على الساحة المصرية الآن من اعتقالاتٍ واسعةٍ ومحاكماتٍ عسكريةٍ لأعضاء الإخوان المسلمين هو تعبيرٌ عن أمرين: خوف النظام وعدم ثقته في ثبات أقدامه، وهذا هو الأمر الأول، أما الأمر الثاني فهو صلابة الإخوان المسلمين رغم كل هذه الضربات التي لم تنقطع على مدى أكثر من نصف قرن.
والناس في مصر تعرف أن الصراع بين الحزب الوطني والإخوان المسلمين هو صراعٌ على السلطة، طرفٌ يريد ألا يتخلى عنها بأي وسيلة، وطرفٌ يسعى إليها من أجل تحقيق أهدافه.
ولو أن الحزب الوطني لجأ إلى الأساليب المتعارف عليها في الأنظمة الديمقراطية للبقاء في السلطة ما كان محلاً للوم، ولكن أن تكون وسيلته الوحيدة للبقاء هي ذراعه الأمنية فقط فهذا هو الأمر المفروض والمرفوض في آن واحد.
والحقيقة أنني أريد أعالج في هذا المقال أمرين:
أما أولهما فيتعلق بتلك الاعتقالات لأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين.. وأما ثانيهما فهو المحاكمات العسكرية للمدنيين.
لقد كنتُ أتابع أخبار اعتقالات بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأشعر بالحزن- ليس لأنهم من الإخوان المسلمين ولكن لكونهم مصريين يؤمنون بقضية، إن مجرد الإيمان بقضية عامة والوقوف معها يستحق في ذاته الاحترام، سواء كانت تلك القضية في نظري أو في نظرك أو في نظر النظام قضية صائبة أو خاطئة، إن قضايا الفكر تحارب أو تناقش أو تحاور بالفكر وليس بالقمع الأمني والاعتقال الذي يدل على إفلاس من يمارسه.
ولما قرأت صباح يوم من الأيام خبر القبض على الدكتور عصام العريان ثم القبض على نائبين من كتلة الإخوان المسلمين في مجلس الشعب أدركت أن التصعيد مستمر في هذا الاتجاه الخطير.
أنا أعرف الدكتور عصام العريان وأعتز بمعرفته وسعدت بمزاملته في مجلس الشعب في وقت ما، وسعدت أكثر به طالبًا يدرس الحقوق- بعد الطب- ويحاور ويناقش ويحرص على الاستزادة من العلم، وأنا أرى في عصام العريان- مع اختلاف الرؤى الفكرية- مثلاً من أمثلة الاستنارة والاعتدال والوطنية.
ومن الناحية القومية المجردة فلو أن هذا النظام الحاكم في مصر وجهازه الأمني يتصرف بعد تفكير وبعد دراسة لأدرك أن اعتقال عصام العريان وأمثاله يفتح الباب أمام التطرف وأمام الرغبة في الانتقام ويزيد من الشعور بالاضطهاد الذي يصل أحيانًا إلى حد الشعور بالشهادة في غير موضعها.
وهذه الاعتقالات وأمثالها على مدى عدة عقود تزيد على نصف قرن لم تأتِ بالنتيجة التي يهدف إليها النظام، جاءت بالعكس، فازداد أصحاب القضية تمسكًا بقضيتهم وإيمانًا بها، ولو أن النظام أتاح لهم حرية التعبير عن أنفسهم وحاورهم أو ترك العقلاء المستنيرين يحاورونهم لكانت النتيجة غير هذا الذي يحدث الآن تمامًا، ولكن الأنظمة الاستبدادية لا تفهم هذا المنطق وتفهم منطقًا واحدًا هو القهر والتعسف والبطش، وعلى مدى التاريخ كان هذا المنطق هو مقبرة مثل هذه الأنظمة.
أما القضية الثانية فهي قضية المحاكمات العسكرية لعدد أيضًا من قيادات الإخوان المسلمين، وهي قيادات مدنية بطبيعة الحال وليس من بينهم عسكري واحد.
وباعتباري أحد المشتغلين بالدراسات القانونية والدراسات الدستورية بصفة خاصة فإنني أستطيع أن أجزم بأن هذه المحاكمات للمدنيين أمام محاكم عسكرية هي مخالفة للدستور والقانون، وهذا هو المذهب الذي ذهبت إليه محكمة القضاء الإداري في أكثر من حكمٍ عظيمٍ وتاريخي لها.
ولا أجد حرجًا، من موقعي كواحد من أقدم أستاذة القضاء الإداري الأحياء، في أن أقرر انحيازي لحكم محكمة القضاء الإداري ضد حكم الإدارية العليا في هذا الشأن، وأرى من هذا الموقع أيضًا قصور أسباب حكم هذه الأخيرة، ولا أرى أن هذا هو مكان الخوض في هذا الموضوع الدقيق.
واختيار النظام للمحاكمة العسكرية يدل أيضًا على مدى ضعفه ومدى عدم إيمانه بموقفه ومدى حرصه على التستر وراء أجهزة الأمن.
لماذا لا نلجأ إلى القضاء الطبيعي، إننا نتحدث عن سيادة القانون وعن استقلال القضاء، هل من سيادة القانون؟ وهل يعزز استقلال القضاء أن نلجأ في كل قضية سياسية يخاف منها النظام إلى القضاء العسكري؟!، وهل من الحكمة والحصافة أن تمنع منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية من حضور هذه المحاكمات؟!.
ألا يدل هذا على مدى الخوف والفزع من حكم القانون؟!، وفي ختام هذا المقال أحب أن أقرر أنني من أوائل الذين رفضوا ويرفضون الأحزاب التي تدعو إلى إقامة دولة دينية وأنني من الذين يؤمنون بحرية الفكر والاعتقاد إلى أبعد مدى، والذين يرون أن الفكر يغذيه القمع والبطش ولا يطاوله إلا الحوار وقرع الحجة بالحجة.
وأود قبل أن أنهى مقالي أن أحيي الصديق طارق حجي على مقاله في "المصري اليوم" "جريمة مقاضاة المدنيين أمام محاكم عسكرية"، وأود أيضًا أن أنضم إليه في مطالبته كل الأحزاب باستثناء حزب الحكومة، فهو كيان ميئوس منه، على حدِّ تعبيره، ومطالبة منظمات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان أن تأخذ موقفًا صارمًا وقويًّا حتى تتوقف الحكومة عن محاكمة أي من المدنيين أمام القضاء العسكري.
ليت كل هذه المنظمات تدرك أهمية الموضوع، وتعي أن الدور قادم على الجميع ما لم يتكاتف الجميع في مواجهته صفًّا واحدًا.
إن ما يشعر به النظام من بعض القوة يكمن في تشرذم المعارضة وتفرقها رغم حيوية المسائل الأساسية التي تجمع بينها.
تعالوا جميعًا نضع أيدينا في أيدي بعض من أجل محاربة الاستبداد والفساد.
تعالوا جميعًا نحاول أن نبني مصر من جديد، بلدًا ديمقراطيًّا يؤمن بسيادة القانون فهذا هو السبيل الوحيد للأمن والأمان والتقدم.
-----------
* "المصري اليوم" 27/8/2007م