أدَّت تصريحات نائب الرئيس السورى فاروق الشرع إلى ردٍّ فوريٍّ وشديدٍ من جانب السلطات والصحافة السعودية؛ ونظرًا لخطورة هذا الموضوع والأضرار التي تُصيب الأمة العربية بسببه وتربص أعدائها بكلِّ من الدولتين رأيتُ المسارعةَ إلى كلمةٍ سواء.

 

فلا يخفى أن هذه التصريحات قد وقعت على حالةٍ مستمرةٍ من التوتر دون أن يفاتح كل منهما بما في نفسه تجاه الآخر، والأصل أن النظام العربي كان يقوم على القاعدة المصرية/ السعودية/ السورية حتى عام 2000م، على الأقل، وحتى بعد ذلك بعامٍ أي في قمة بيروت التي قدمت فيها المملكة مبادرتها لحل الصراع العربي الصهيوني في مارس 2002م، وعانى البلدان ومعها كل الجسد العربي بطش الكيان الصهيوني وقسوته تجاه انتفاضة الأقصى التي كان للسعودية في دعمها باعٌ طويلٌ.

 

ثم وقعت مأساة غزو العراق عام 2003م، ولم تكن العلاقات السعودية- السورية تعاني شيئًا محددًا ولكن روح الوفاق والتقارب كانت قد بدأت في التراخي حتى وقع اغتيال رفيق الحريري فبدا وكأنَّ موجةً جديدةً من التوتر بين البلدين قد سرت في جسد العلاقات، ظهرت ملامحها دون أن يُفصح كلاهما عن ذلك.

 

وقد فسر المراقبون يومها هذا التوتر ربما بسعي المملكة الحثيث لكي تسحب سوريا قواتها من لبنان، وبدا لسوريا أيضًا أن المملكة تُنسق مع فرنسا في ذلك، مما أزعج سوريا، بينما اتضح أن الإسراع في سحب القوات السورية والحث عليه كان من أهم الخطوات والإجراءات الصحيحة حتى لا يلحق بهذه القوات أذى وسط تنامي مشاعر العداء لسوريا في لبنان، كذلك رأى البعض أن اتجاه التحقيق الدولي في مقتل الحريري نحو اتهام سوريا حتى رغم عدم توافر أدلة مادية أو غيرها بشكلٍ قاطعٍ ربما أدخل الخشيةَ في قلب المملكة على سوريا وعلى استقرار لبنان.

 

ويقيني أن السعودية وسوريا ولبنان وغيرهم يسعون جديًّا للكشف عن قتلة الحريري وأنهم جميعًا معنيون بألا يلابس إنشاء المحكمة الدولية مخاوف على أي دولةٍ عربية، كذلك لا يخفى أن سوريا نظرت نظرةَ عُتبٍ عندما ظهر السيد عبد الحليم خدام النائب السابق للرئيس السوري في قناة "العربية"، وتردد يومها أن السعودية سوف تمنحه اللجوء السياسي، ورغم خطورة هذا العمل إلا أن سوريا ظلت صامتةً مثلما صمتت المملكة تمامًا.

 

ولا شك أن اختلافَ الرأي بين البلدين في الأزمة اللبنانية وتحالفاتها وكذلك في العراق لا يمكن أن يترجم إلى خلافٍ يُمزِّق روابط الأخوة بينهما، فالمعلوم أن الولايات المتحدة تصادق السعودية وتُعادي سوريا، ولكن ذلك لا يمكن أن يدفع السعودية يومها إلى مناصرة الموقف الأمريكي من سوريا.

 

وإذا كانت لُحمة العلاقات السعودية السورية القوية قد استوعب طاقة الاختلافات والتفاعلات خاصةً بعد تقسيم المنطقة إلى دولٍ معتدلةٍ ودولٍ متطرفةٍ، فإن النفخَ في هذا الشرخ الذي ظهر سوف يُوسِّع الشقة ويغري أعداء الأمة بهما معًا، كما أن الموقف يتطلب مراجعةً أمينةً وجريئةً لقيادتي البلدين لملف العلاقات الثنائية وما ران عليه من ركامٍ بسبب كثافة الأحداث والتطورات، وأن لا نلقي العنان للهجوم انتصارًا لطرفٍ على آخر، فنحن كما قيل في قصة داحس والغبراء القاتل والقتيل.

 

وإذا جاز لبعض الأقلام السعودية والسورية أن ترتفع بالنقد على سبيل الغيرة الوطنية والانتصار لموقفٍ على آخر، فإنني لا أجد عذرًا للأقلام العربية الأخرى إذا انحرفت عن جادة الطريق، واصطادت في مياهٍ لا أظن أنها قد عكرت، وأن حكمة القيادتين ودقة المرحلة كفيلة باحتواء الأزمة، بل وإعادة الوئام السابق بينهما، فقد عزَّ على سوريا أن يتم تجاهلها وأن تُستبدل في المعادلة الثلاثية بدولةٍ أخرى.

 

أما ما ورد في التصريحات من أن دور المملكة قد أُصيب بالشلل، فهذه رؤية ربما تحتاج إلى تصحيح، وليس الرد السريع العنيف للمملكة- خلافًا لسلوكها المعتاد- لا يخرج عن كونه شعورًا بالحرج من طرفٍ تُقدِّره المملكة ولا تُطيق منه إساءةً، فدور المملكة وجهودها مشهود في مساندة القضايا العربية والإسلامية، وكان اتفاق مكة أحد تجليات وإنجازات هذا الدور، وأن الخطر الذي أدَّى إلى انقلاب الموقف في غزة سببه الأساسي هو إهمال متابعة تنفيذ الاتفاق وتعمد الكيان الصهيوني إفشال الاتفاق والسعي إلى ذلك.

 

ولا أظن أن إنكار دور المملكة وجهودها هو الهدف من هذه التصريحات، وإنما أظن أنني قرأتها قراءةً مغايرةً، وهي أن سوريا تتوقع من المملكة الكثيرَ، وأن كل ما بُذل لا يشفي غليل سوريا في المواقف الخطيرة وأنها تدرك أن طاقة الحركة والإنجاز لدى السعودية أكبر مما بدا لسوريا.

 

ليس معنى ذلك أن المملكة قد شعرت بالجرح والحرج، ولكنني أُفسِّر موقف المملكة أيضًا بأنه صادر عن شعور بما تعنيه سوريا، ولو لم يكن لسوريا هذا الوزن والأهمية لما فكَّرت السعودية في هذا الرد.

 

وحتى لا يتسع الرتق على الراتق، أرجو أن تسارع قيادة البلدين إلى الحوار الأخوي الصريح، وقد لمست أن الرد السعودي يُبقي على المودة والإعزاز لسوريا شعبًا وحكومةً، وأن الهجوم انصبَّ في جزءٍ كبيرٍ منه على دور نائب الرئيس.

 

إن أزمةَ العلاقات السورية- السعودية لا يجوز أن تكون أساسًا لمحورٍ جديدٍ في السياسات العربية، فتهب الأطراف للانضمام إلى هذا الطرف أو ذاك، وحبَّذا لو تدخلت الجامعة العربية وغيرها قبل أن يتسع الحريق فينال من رأس المال العربي في البلدين العزيزين.