بغداد- وكالات الأنباء، القاهرة- إخوان أون لاين

بدأت في العراق المراحل الأخيرة من مخططٍ يرمي إلى إقرار وضعٍ سياسي يهيمن فيه حلفاء الاحتلال من الأكراد والشيعة على المشهد السياسي العراقي وإقصاء السنة بصورةٍ كاملةٍ بما يُمهِّد الطريق أمام الأمريكيين للزعم بأن الوضع السياسي في البلاد قد استقرَّ الأمر الذي يسمح لهم في النهاية بسحب قواتهم من البلاد بصورةٍ تحفظ ماء وجههم الذي أُريق على يد المقاومة طوال 4 سنوات.

 

وأعلن الرئيس العراقي جلال طالباني عن تشكيل تحالفٍ سياسي من المجلس الإسلامي الأعلى في العراق وحزب الدعوة الإسلامية الشيعيين إلى جانب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني الكرديَيْنِ لدعم الحكومة القائمة التي يترأسها جواد المالكي وفق ما أسماها طالباني "المبادئ الوطنية".

 

وزعم طالباني في مؤتمرٍ صحفي عقده في منزله اليوم الخميس أن جهودًا تم بذْلُها من أجل ضم الحزب الإسلامي العراقي إلا أن تلك الجهود باءت بالفشل، كما نفى طالباني اختيار مرشحين من مجلس إنقاذ الأنبار- الموالي للاحتلال- لشغل المقاعد الوزارية التي خلت بانسحاب جبهة التوافق الوطنية من الحكومة؛ ما يعني أن الحكومة العراقية ستخلو تمامًا من السنة حتى من أولئك الذين تعاونوا من الاحتلال، فيما يعتبر مخططًا لإقصاء السنة بصورةٍ كاملةٍ عن الواقع السياسي العراقي.

 

وفي دليلٍ آخر على أن الاتفاق يُكرِّس الوضع القائم بالفعل في العراق فقد خلا ذلك الاتفاق المسمى بـ"المبادئ الوطنية لاتفاق القوى السياسية وآليات العمل" من أية إشارةٍ في جانبه الأمني إلى نزع سلاح الميليشيات التابعة للقوى السياسية الشيعية؛ مما يمثل تصريحًا سياسيًّا لتلك الميليشيات لتواصل عملياتها ضد السنة في العراق بخاصة جيش المهدي التابع للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، وهو التيار الذي وصلت انتهاكاته إلى حدِّ حرقِ السنة أحياءً في الشوارع على مرأى من مراسلي وكالات الأنباء الأجنبية!!

 

كذلك ربط الاتفاق في مقدمته بين العنف القائم في البلاد وبين كلٍّ من أنصار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ومَن سمَّاهم "التكفيريين" وهو المسمى المتعارف عليه في أوساط الشيعة لتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، وهو ما يعد تجاهلاً آخر لوجود الميليشيات الشيعية في الساحة الميدانية العراقية.

 

توقيت الاتفاق

واللافت في هذا الاتفاق هو أنه جاء بعد سلسلةٍ من التحركات السياسية والميدانية من جانب المالكي وقوات الاحتلال الأمريكية توضح أن هناك نوعًا من التمهيد السياسي لسحب قوات الاحتلال بتثبيت مواقع حكومة المالكي، ومن أبرز التحركات التي قام بها المالكي زيارته إلى إيران قبل أيامٍ والتي حصل فيها على دعمٍ قوي من الإيرانيين إلى الدرجة التي دفعته إلى أن يقوم بتكريم القتلى الإيرانيين خلال الحرب العراقية الإيرانية، معتبرًا إياهم "شهداء" وفق ما ورد في وكالة الأخبار العراقية (واع)!!!

 

وبهذا الدعم الإيراني استطاع المالكي أن يحصل على الدعم الكامل من المجلس الإسلامي الأعلى في العراق بزعامة الدكتور عبد العزيز الحكيم والذي يتبع في مذهبه المرجعية الإيرانية، بينما المالكي مرجعيته مختلفة؛ مما يعني أن الزيارة المالكية لإيران ساهمت في إزالة الخلافات بين الشيعة العراقيين؛ الأمر الذي يُثير الشكوك في أن الموقف الإيراني الداعم- بقوة- للمالكي يأتي كرسالةٍ للأمريكيين من إيران بأنها تساعدهم في إقرار الوضع الداخلي في العراق لصالحهم مما قد يرده الأمريكيون لهم في الكثير من الملفات المتفاعلة بينهم!!!

 

ومن بين الخطوات الأخرى زيارة المالكي إلى تركيا والتي تضمنت اتفاقًا تركيًّا عراقيًّا باعتبار حزب العمال الكردستاني التركي جماعةً إرهابيةً تقوم ضدها الحكومة العراقية بكل أنواع المكافحة مقابل عدم اقتحام الجيش التركي لإقليم كردستان العراق الذي تقدم حكومته دعمًا للمتمردين الأكراد الأتراك، وقد زادت تلك الخطوة التي قام بها المالكي من تحسن العلاقات الكردية الشيعية في العراق.

 

كما يأتي الاتفاق الشيعي الكردي في توقيتٍ مهم فيما يتعلق بقوات الاحتلال الأمريكية؛ حيث أعلن الجنرال ديفيد بيترايوس قائد قوات الاحتلال الأمريكي في البلاد أنه من المتوقع أن يُجرى خفض في عدد القوات الأمريكية في العراق خلال الصيف المقبل؛ الأمر الذي يُوضِّح أن هناك مخططًا يتفاعل في الخفاء لتمهيد الوضع السياسي في العراق لصالح حلفاء الأمريكيين؛ مما يسهل سحب هؤلاء لقواتهم من العراق بصورةٍ غير مهينة.

 

ومما يؤكد أن هناك مخططًا لإقصاء السنة من العملية السياسية مسارعة المالكي بإصدار مذكرات اعتقال ضد قيادات السنة سواء السياسية أو الدينية فور توجيه أي تكتلٍ شيعي الاتهامات لهم بأنهم ضد الشيعة مع صمتٍ مالكيٍّ تامٍّ أمام الاتهامات الموجهة لجيش المهدي التابع للتيار الصدري بالتورط في الانتهاكات ضد السنة؛ حيث لم تصدر أية مذكرة اعتقال ضد أي فردٍ من الكتل السياسية والبرلمانية للتيار الصدري.

 

الخيار الأمريكي الشيعي

ولم يخالف المالكي في تحركاته السياسية تلك التوقعات؛ حيث كان المالكي قد جاء رئيسًا للحكومة بدعمٍ أمريكي بدلاً من رئيس الحكومة السابق ورئيس حزب الدعوة الدكتور إبراهيم الجعفري الذي رفضه الأمريكيون وفضلوا عليه الرجل الثاني في الحزب، وهو المالكي، ووقتها قالت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إن المالكي "رجل يستحق الإعجاب" و"إنه رجلنا في العراق"!!!

 

يُذكر أن مصادر عراقية كانت أعلنت قبل أسابيع أن الأمريكيين بدأوا في السعي نحو الحل السهل في العراق، وهو الاعتماد على الطرف القوي وهو الشيعة فيما يعرف في ملفات المخابرات الأمريكية بخطة "الخيار الشيعي" الذي يهدف إلى تثبيت دعائم الشيعة في الحكومة مع نيل دعم الأكراد للشيعة بالتلويح بإمكانية تسهيل استقلال كردستان العراق، فيما يخرج السنة من المشهد السياسي بصورةٍ كاملة.

 

وتزامنًا مع ذلك بدأت قوات الاحتلال الأمريكية اليوم هجومًا جويًّا موسعًا جنوب بغداد ضد المقاومة السنية والتي يسميها الاحتلال "المسلحين من العرب السنة" فيما يمثل محاولةً من جانب الأمريكيين لتطويق السنة بالكامل سياسيًّا باستخدام اليد الشيعية وميدانيًّا باستخدام اليد العسكرية.