مثلما هو الحال في العراق فإن قوات الاحتلال الأمريكية في أفغانستان تواجه مأزقًا كبيرًا، فكان أحد العناوين التي تضمَّنتها صحف العالم اليوم الأحد، بالإضافة إلى الانتفاضة الشعبية التي يواجهها الاحتلال البريطاني وعملاؤه في جنوب العراق وحسابات الحرب والسلام في الشرق الأوسط، بخاصة بين السوريين والصهاينة.
الـ(نيويورك تايمز) الأمريكية تناولت في تقرير لها ما سمته (الحرب الخَيِّرَة) في أفغانستان، فقال التقرير- الذي أعده كل من ديفيد روده وديفيد سانجر- إن الكل كان ينظر إلى الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة على أفغانستان بدعم من المجتمع الدولي على أنها "حرب جيِّدة" بَدَت وكأنها سوف تضع حدًا للفوضى التي عاشت فيها البلاد منذ انتهاء الغزو السوفيتي لها وبعد انتهاء الحرب أكدت تقارير المخابرات والخارجية الأمريكيتين أن حركة طالبان انتهت في أفغانستان وأن البلاد تستعد الآن للتحوُّل إلى صورة أخرى مغايرة لما كانت عليه في الفترة الماضية.
يذكر التقرير أن هذا ما كان يظهر في بدايات الغزو الأمريكي لأفغانستان، إلا أن الصورة لم تلبث أن تغيَّرت وتحوَّلت إلى أمر مختلف تمامًا، فقد فرَّ أسامة بن لادن- زعيم تنظيم القاعدة- إلى باكستان وعادت حركة طالبان إلى سابق قوتها بعدما تدفَّق عليها المقاتلون عبر حدود الدول المجاورة لأفغانستان، وأخذت الحركة في القيام بهجمات ضد ضد القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلنطي (الناتو) باستخدام تكتيكات عسكرية جديدة، من بينها تفجير العبوات الناسفة على جوانب الطرق أثناء مرور دوريات الغزاة والعمليات الاستشهادية؛ مما دفع القوات الغازية إلى الدخول في مواجهات عنيفة مع طالبان، ليس لإنهاء وجود الحركة، ولكن للسيطرة على بعض المناطق التي استردَّتها طالبان من أيدي الغزاة بعدما كانوا قد أعلنوها "مناطق محررة"!!
ويذكر التقرير أن هناك العديد من العوامل التي أدَّت إلى تحوُّل "الحرب الخَيِّرَة" التي شنَّتها القوات الأمريكية على أفغانستان إلى "حرب سيئة" بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، ومن بين تلك الأسباب دخول القوات الأمريكية في الحرب على العراق؛ مما أدى إلى تشتُّت جهود المخابرات والجيش الأمريكيَّين بين الحربَين، إلى جانب ضعف جهود عمليات إعادة الإعمار التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان؛ إذ تشير الأرقام التي توصلت إليها لجنة أبحاث الكونجرس إلى أن الإنفاق الأمريكي على الإعمار في أفغانستان وصل خلال 7 سنوات إلى 3.4 مليارات دولار في العام، وهو نصف المبلغ الذي تم إنفاقه في العراق التي لم يحتلها الأمريكيون إلا منذ 4 سنوات فقط!!
ويذكر التقرير أن ردَّ الفعل الأمريكي اقتصر للآن على تقديم المزيد من المساعدات لعملية إعادة الإعمار في أفغانستان، بالإضافة إلى إعراب وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عن دهشتها من قدرة طالبان على إعادة تجميع صفوفها من جديد في أفغانستان، ويختتم التقرير بتعليق الجنرال الأمريكي المتقاعد جيمز جونز- أحد القيادات السابقة في حلف الناتو- قوله إن العراق جعلت الولايات المتحدة تسهو عن الكرة في الملعب الأفغاني، مشيرًا إلى أن ذلك أدى إلى موقف خطير، وهو إعطاء رسالة بأن "قوات 37 دولة والأمم المتحدة- بالإضافة إلى الولايات المتحدة- يمكن هزيمتها" ويمكن ملاحظة أن ذلك القائد العسكري السابق فَرَّقَ بين الولايات المتحدة وباقي دول العالم المشاركة في قوات الاحتلال في أفغانستان!!
لا انسحاب من العراق
وفي دليلٍ فعليٍّ على عجز الأمريكيين عن اتخاذ القرار السليم في العراق تقول الجريدة نفسها في تقرير آخر إن الكثير من الديمقراطيين لا يريدون الانسحاب من العراق ويرون أن قواتهم التي تحتل العراق يجب أن تظل لسنوات إضافية هناك، وهو ما يتناقض مع موقف الكثير من الديمقراطيين أيضًا الذين يرون ضرورة الانسحاب السريع من العراق!!
ومن بين المبرِّرات التي يسوقها الديمقراطيون الذين دخلوا السباق للحصول على ترشيح الحزب للانتخابات الرئاسية ما قاله المرشح جون إدواردز، الذي قال إن القوات الأمريكية يجب أن تبقَى في العراق لمنع عودة انفجار العنف الطائفي أو انتقاله إلى الدول المجاورة، كما قالت المرشحة هيلاري كلينتون: إن القوات يجب أن تبقى لمكافحة (الإرهاب) وضمان استقرار إقليم كردستان العراق في الشمال.