التقوى تعني الوقاية والحصن والحذر والصيانة، والتقوى يُقال أصلها في اللغة قلّة الكلام، فكيف يعمل الإعلام بها والكلام المادة الأساسية لتبليغ الرسالة؟! إذا أتاح الإعلام المجال لطرح العديد من القضايا الحيوية، وإذا فتح الباب على مصراعيه لأصحاب الأقلام الواعية والمعتدلة والعادلة، وإذا سمح للجمهور بالتعبير عن آراءه بلا خوفٍ وبلا تجريحٍ للغير، وإذا عرض آراء المعارضين له من أجل الوصول للحل الأمثل لمشكلة ما أو الوصول لحكم عادل لقضية مجتمعية أو سياسية أو غيرها، وإذا جادل وحاور بالتي هي أحسن، وإذا امتنع عن القذف والسب والإهانة وقول الزور والكذب والتضليل والمغالاة.
إن القلة المطلوبة هنا ليست إلا القول الحق، والعمل لإصلاح الناس جميعًا، ومراقبة النفس في جميع مراحل إعداد الرسالة الإعلامية، وعدم الخوف إلا من الله سبحانه وتعالى، وهو ما يساعد الإعلامي على التحرر من كل القيود المفروضة عليه والمانعة للإبداع والانطلاق الواعي، وهو ما يُوفِّر الكثير من الجهود المبذولة للرقابة والتحويل للمحاكمة وإصدار مواثيق الشرف وإصدار القوانين أو تلفيقها وتفصيلها في بعض الأنظمة الحكومية.
والتقوى من المصطلحات التي كفر بها الإعلام المتصف بالنفعي والرأسمالي والزائف والمُوجَّه والمحتل والظالم والكاذب والمضلل، والذين كفروا بهذا المصطلح هم أنفسهم الذين يرفضون الإعلام الإسلامي ولا يعرفون كيف يعرفونه فيضللوا غيرهم بإنكاره وطمس معالمه أو تهميشه.
فهل نحن المسلمون مستعدون للتمسك به؟ أم سنبحث عن المصطلحات البديلة؟
البعض يحصر الإعلام الإسلامي في الصلاة والزكاة والصدقة والحج والشهادتين، فيرى أن كل رسالة أو وسيلة تناقش هذه الأمور تُصنَّف إعلامًا إسلاميًّا، أما ما يتعلق بالحياة الدنيا من اقتصاد وسياسة وعلوم واجتماع ورياضة فهي إعلام من نوعٍ آخر! والعجيب أن هذه الرؤية سارت عليها كثير من الأبحاث الإعلامية، وسار عليها كثيرٌ من الكُتَّاب والصحفيين، وأرى أن هذا القصور في تحديد المصطلح نابع من قصور في فهم الإسلام، وعدم اعتباره منهج حياة، فالإعلام قطاع مؤسسي داخل المجتمع ويجب أن يسير وفق الأصول التي تحكم هذا المجتمع؛ فإذا كان يحكمها الدين الإسلامي، فإن أصوله ستنعكس بلا شك على جميع قطاعاته، وإذا كان غير ذلك فإن مصطلح الإعلام الإسلامي سيصبح محل جدالٍ ونقاشٍ بين أولائك الذين يتمسَّكون بالدين وبين غيرهم من الذين يحافظون على النظام القائم.
قد تكون كلمة واحدة تُوفِّر على الإعلاميين الكثير، فلا نحتاج للتهديد والوعيد والترقب.. اتق الله.. كلمة قالها الله سبحانه وتعالى للرسول- صلى الله عليه وسلم- إلا أنها أخذت معاني أخرجتها عن مضمونها فأصبحت صعبةً على متلقيها لأنها استخدمت بمعنى التقصير والإهانه..
إذا كنت إعلاميًّا من المتقين إذن فأنت ملتزم بالقانون العادل وعامل على تطبيقه، ومعين الناس على الالتزام به، ومطيع لمديرك وصاحب العمل في المعروف وفوق ذلك عامل على تحقيق مصالحه ومحفز زملائك على طاعة الإدارة، وتقوم بمهامك وفوق ذلك تتقنها وتطورها وتصدق في أدائها، وهذه أمثلة للعمل بالتقوى وتوضيح أنها تتعدى وتتفوق على أداء المهام، وبالتالي تضمن تنمية العمل وزيادة الإنتاج وكفاءته.
والإعلامي التقي حسن الخلق وسمته حسنًا ولبسه حسنًا، لا يخشى إلا الله، دائم الذكر لله سبحانه وتعالى، يطلب الاستزادة من الخير له وللناس، لا يستطيع العمل بدون إعمال عقله، محافظًا على قلبه من الحسد والبغضاء والأنانية ولا يحتقر عمل الآخرين، لا يستصغر الأخطاء.
والتقوى عمل جماعي، فلا يستأثر الإعلامي بالعمل ويحرم غيره منه، مما يؤدي للبغضاء والقصور في العمل أيضًا، فعليه دائمًا الأخذ بيد الآخرين واستشعار الإخوة والترابط الجماعي لإصلاح العمل، وهي الطريق لحب الناس ودوامه على بُعد المكان والزمان. فعلى الإعلامي أن يتزود بها في عمله وحياته ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 197).
---------------
* كلية الإعلام جامعة 6 أكتوبر