كان الحديث قبل بداية الألفية الثالثة وبشكلٍ أخص قبل أحداث سبتمبر التي قدمت لواشنطن مبرر مشروعها العالمي وتطبيقاته في العالم العربي, عن عالمٍ عربي واحد ولكنه يُعاني الفرقة والانقسام في بعض المواقف تجاه القضايا الرئيسية, وكان هذا العالم العربي مجمعًا, على الأقل من الناحية النظرية, على أن القضية الفلسطينية وقوامها استخلاص الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني والتمسك بالحقوق المشروعة في مدينة القدس هي ثوابت لا يجوز التفريط فيها.

 

والملاحظ لتطور المشروع الأمريكي الصهيوني منذ إدارة بوش الأولى، خاصةً بعد عامٍ واحدٍ من عمرها لا يفوته أن تركيز هذه الإدارة قد انصبَّ على تمكين إسرائيل في المنطقة وتوطئة كل شيء ليكون في مستوى أقدامها, وذلك بعد أن تمكَّنت من تخدير مصر بحقنةٍ طويلةِ الأمد أفقدتها الحساسية تجاه الكثير من القضايا الحيوية حتى تلك التي تقع داخل مصر نفسها.

 

أما إجراءات واشنطن لتذليل المنطقة للكيان الصهيوني بعد تخدير مصر وانفساخ جسد العالم العربي أمام المشروع الصهيوني, فأهمها ثلاثة قاصمة:

 

الإجراء الأول هو تقطيع أواصر العلاقة بين العالم العربي وفلسطين بحيث يضع المؤتمر الدولي المقترح اللمسة الأخيرة على نتائج هذا الإجراء بقطع الصلة بين ما يحدث في فلسطين, وبين العالم العربي, وهي المحاولة التي بدأت في القمة العربية في الجزائر عام 2004م، ولم تكن المنطقة مُهيَّأةً لقبولها حينذاك.

 

الإجراء الثاني هو تمزيق الصفوف الفلسطينية وزرع الفتنة بين فتح وحماس والإلحاح على هذا الشرخ بحيث تبدو حماس مع محور الشر وفتح وبقية العالم العربي والخارجي مع محور الخير والبركة, أي المحور الأمريكي الصهيوني.

 

الهدف من هذا الإجراء بالقطع هو القضاء على حماس بطرقٍ سياسيةٍ ونفسيةٍ وعمليةٍ وعسكريةٍ قضاءً تامًّا ثم إجراء تسويةٍ مع أبو مازن يشعر معها بعد زوال حماس بأنه انتصر بفضل الصهاينة وأمريكا, ولا شك أن هذه التسوية التي تعكس ثقل الكيان الكامل والغياب الكامل لأية أوراق فلسطينية سوف تكون تصفيةً للقضية الفلسطينية أمام الكيان، بعد تصفيتها على المستوى الوطني.

 

فإذا كان أبو مازن يصدق حقًّا أن زوال حماس يؤدي إلى قدرته على التسوية المنصفة مع الكيان، فإن ذلك يضع علامة استفهام كبرى حول أخطر ملفٍ فلسطيني, بعد أن رفض أبومازن الحوار واختار الطريق الآخر, طريق السلام الصهيوني، وإذا كان أبو عمار هو الزعيم "البغيض" لدى الكيان الذي أعاق جهود السلام وشجَّع الإرهاب, فإن أبو مازن عند الكيان هو الزعيم المثالي والشريك المحبوب في التسوية التاريخية التي يدفع إليها الكيان في ظل ظروف فلسطينية وعربية دولية مثالية للكيان.

 

أما الإجراء الثالث والمنطقي بعد الإجراءين الأخيرَيْن فهو تقسيم العالم العربي لأغراض السلام العربي الصهيوني, فلم يعد العالم العربي هو نفسه العالم المجمع على الحقوق الفلسطينية بعد أن تمزَّقت هذه الحقوق بسبب خلط الأوراق الداخلية والخارجية, وبعد أن أصبح تمسك رئيس السلطة بهذه الحقوق مقلقًا للصهاينة وبعد أن أصبح الدعم الصهيوني لسلطته هو الأولوية المطلقة, فدخلت الحقوق الفلسطينية في عملية المقايضة وقد اختار دعم سلطته أولاً حتى يكون قادرًا في مرحلةٍ قد لا تجيء على المطالبة بكامل الحقوق الفلسطينية.

 

في هذا السياق يريد الصهاينة أن يكون ثمن دعم رئيس السلطة هو التهام هذه الحقوق وتخيير رئيس السلطة بين صداقة الكيان والتغاضي عن هذه الحقوق, وبين التمسك بهذه الحقوق وضياع سلطته في صراعه مع حماس.

 

وهكذا لم يعد الصراع الفلسطيني مع الكيان مطروحًا بعد أن تمزَّقت الجبهة الفلسطينية، وهو أكبر ضربة نجح العدو في توجيهها للملف الفلسطيني؛ بل ليس من المبالغة أن نقول إن هذه الضربة تعادل الضربات الكبرى السابقة في حسمها للقضية الفلسطينية, وهذه الضربات هي قيام الكيان عام 1948م, وتغيير معادلة الصراع عام 1967م وسلخ القضية الفلسطينية عن إطارها العربي بمعاهدة السلام المصرية وتوابعها عام 1979م، وأخيرًا شق الصفوف الفلسطينية عام 2006/2007م، وطوال هذه المراحل كان الكيان هو اللاعب الأساسي وكان العالم العربي والساحة الفلسطينية أطرافًا ثانوية, وكانت النتائج هي تلك التي خطط الكيان لها تمامًا.

 

فابتعاد العالم العربي عن الساحة الفلسطينية وتركها لأمريكا والصهاينة قد تواكب مع انقسام العالم العربي إلى ثلاثة عوالم؛ العالم الأول وتقوده الولايات المتحدة ويدخل فيه الكيان ويضم ثماني دول عربية هي مصر والأردن, والدول الست أعضاء مجلس التعاون, وهذا المعسكر يُسمَّى "معسكر المعتدلين".

 

المعسكر الثاني هو معسكر "الخوارج" والمتمردين، ويضم سوريا وحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين؛ فسوريا "متمردة" على خط الاعتدال العربي العام الذي يثق أن واشنطن تريد الخير للمنطقة وأن الكيان قوة خيِّرة ويجب تشجيعها بالتعاون وليس بالرفض الدائم والنقد المستمر, وفي ذلك تناغم بين القوة العظمى وبين ركائز النظام الإقليمي وحفظ الاستقرار والسكينة في هذه المنطقة.

 

ولما كانت إيران تدعم معسكر التمرد ويرى البعض أنها تُوظِّفه في دبلوماسيتها العربية, فإن واشنطن تدعم معسكر "الاعتدال"، ويرى البعض أنها تُوظِّفه للمصالح الصهيونية، والنتيجة أن المواجهة الإيرانية الأمريكية قد امتدت إلى العالم العربي, فبعد أن انقسم بين شرقٍ وغرب, أيام الحرب الباردة, فقد انقسم اليوم بين إيران والولايات المتحدة، وبطبيعة الحال, فإن نظام بيروت ورام الله هما حلفاء معسكر الاعتدال؛ مما يُدخِل هذه الحرب الباردة الجديدة إلى عمق لبنان وفلسطين, ويمهد لحرب أهلية مدمرة فيهما.

 

أما الفريق الثالث فهو بقية العالم العربي، وكلٌّ له شأنٌ يغنيه ويقنع بالموافقة الضمنية على مواقف معسكر الاعتدال؛ فاليمن والعراق يواجهان مشاكل طائفية وقبلية مدمرة, السودان يصارع ضد المشروع الأمريكي الهادف إلى تمزيق السودان عبر الجنوب ودارفور تحت شعار سلام السودان, والصومال يعاني تلاشي الدولة وصراع الإخوة وتغلب الخارج على الداخل وسيطرة المشروع الأمريكي أيضًا، أما حال ليبيا ودول المغرب العربي فهو القانع بما لديه وغير المعترض على ما يُسفر عنه صراع "الاعتدال" "والتطرف"، إن الصراع بين المشروع الأمريكي والمقاومين له داخل العالم العربي.

 

إلى أين يمضي العالم العربي الجديد بأجنحته الثلاثة؟

هذا السؤال الخطير سوف تجيب عنه ما تسفر عنه تطورات الصراع بين المشروع الأمريكي والعناصر المقاومة له، ولكن الصورة الظاهرة هي أن النظم العربية تقع بين طرفي الصراع الكبير: المشروع الأمريكي الصهيوني, والمشروع المقاوم مع ميل أكبر للطرف الأول.