د. حامد أنور

 

وجاءتنا السيدة رايس بكبريائها وخيلائها الطاووسي المقبوح، ولكن زيارتها تلك أبرزت مدى التخبُّط والارتباك في الإدارة الأمريكية التي اقتطعت منذ أسابيع مائتي مليون دولار من المعونة العسكرية، فها هي ترتدُّ على أعقابها، وتمنح مصر منحةً لا تُردّ بـ13 مليار دولار؛ لتُثبت صحَّة كلام أبو الغيط والسفير المصري في واشنطن بأن أمريكا هي التي في حاجة إلينا، وأن تلك المعونة استثمار لمصالح أمريكا في المنطقة، وأنعمت على الخليج بـ20 مليار دولار، والكيان اليهودي بـ30 مليار دولار، أما السلطة الفلسطينية الزاحفة فلم تنَل إلا 80 مليون دولار فقط، أيَّ ميزان كنتِ تَزِنين به يا رايس؟ وبدلاً من أن تنفق أمريكا تلك الأموال على جسورها المتهالكة بما يفيد دافع الضرائب الأمريكي إذا بها تلقيها في مقامرات سياسية غير مضمونة!!

 

ورغم محاولات رايس إظهار الثقة بالنفس والثبات في مؤتمراتها الصحفية والتعامل مع الكاميرا بنوع من التعالي والغرور، إلا أن ذلك لن يُعيد للأمريكيين كرامتهم المذبوحة على أبواب بغداد، مسكينة أنت يا رايس!! تُرى هل تستطيعين الذهاب إلى العراق هكذا، إما أن الزيارة ستكون سرًّا وتحت جنح الظلام حين يرخي الليل سدوله لعلها تجد في ظلمائه سترًا؟!

 

كيف بالآنسة كوندي بعد أدائها التمثيلي الشديد الحبكة والمجهود الجبار الذي تبذله أمام وسائل الإعلام عندما تأوي إلى فراشها وتتراءى أمام عينيها مشاهد القتلى الأمريكيين وآلام الجرحى والبكاء الحارق في أعينهم في العراق وأفغانستان وصراخ سيندي شيهان أمام البيت الأبيض، وكيف أن آلة القمع الأمريكية في أرض الحرية تكمِّم فاهها وتسوقها إلى وراء القضبان أنها ترى شبح الهزيمة يزحف ببطء على أمريكا أن انفجار أنبوب بخار في مانهاتن أصاب الأمريكيين بالهلع وفجَّر بداخلهم براكين الرعب..؟! كيف تستطيع أن تتغلب على هذا كله لتظهر بشكل آخر في اليوم التالي أمام العدسات والمصورين أي جهد جبار تبذلينه أيتها المسكينة؟!

 

ورغم أن المسئولين العرب قد دشَّنوا بلقاءاتهم تلك وبمؤتمر السلام المزمع عقدُه في الخريف المقبل موقفهم بكل صراحة، وأظهروا اصطفافهم المطلق تحت الراية الأمريكية، إلا أنهم ارتكبوا بذلك سقطة كبرى.

 

لقد جعلت تلك الأنظمة- ويا للأسف- مصيرها مرهونًا بمصير الولايات المتحدة الأمريكية؛ فإن هوى ذاك الصنم هوَت هي معه، إنها تتنفس من رئته وتحصل على أسباب الحياة من شرايينه الضعيفة، وهي بذلك قد أخطأت؛ لأن انهيار أمريكا هو حتمية تاريخية لا نقاش فيها ولا يحتمل الجدال.

 

إن أمريكا تعمل ضد حركة التاريخ، وحركة التاريخ تلك التي تنتصر دومًا للمستضعفين والمقاومين وإن سكنوا الجبال وإن أكلوا القديد وإن تجرعوا الذلَّ على المعابر، وإن حاصرتهم الظروف الاقتصادية الطاحنة.. لقد انهارت الإمبراطورية الرومانية القديمة أمام المسلمين في عشر سنين، وما أصاب الوحش السوفيتي الكاسر في أفغانستان ليتحوَّل بعدها إلى قطٍّ بلا أنياب ليس منا ببعيد.

 

إن أمريكا هي الكارت الخاسر في اللعبة السياسية الجديدة، وهي ليست الحصان الرابح في السباق الدولي المشتعل حاليًّا فليراجع اللاعبون والمراهنون مواقفهم.. بل إنني أهمس في أذن السيدة رايس بأن انهيار أمريكا هو حتمية دينية.. أيضًا يقولون إن رايس عازفة بيانو جيدة، ويقولون إن أباها كان "رجل دين"؛ لذلك فإني أدعوها أن تقرأ تلك الفقرة من سفر ملاخي آخر أسفار التوراة، وملاخي كلمة عبرية تعني رسول الله؛ أدعوها أن تقرأها وهي تعزف لحنًا جنائزيًّا، إنه لحن النهاية تقرأها وهي ترقص.. رقصة الموت الأخيرة.

 

يقول السفر: "فهو ذا يأتي اليوم المتقد كالتنور كل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشًّا ويحرقهم اليوم الآتي، قال رب الجنود فلا يبقى لهم أصل ولا فرع، ولكم أيها المتقون اسمي، تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها، فتخرجون وتنشأون كعجول الصيرة، وتدوسون الأشرار؛ لأنهم يكونون رمادًا تحت بطون أقدامكم يوم أفعل هذا قال رب الجنود" (ملاخي 4-1) إن تلك القرية المتغطرسة المتكبرة المرتفعة مهزومة توراةً وإنجيلاً وقرآنًا بإذن الله تعالى، وعدًا على الله حقًّا، مهزومة بأيدي أحفاد أبي بكر وعمر ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)﴾ (الشعراء).

------------

d.hamedanwar@yahoo.com