هناك مقولةٌ مفادها أن حزب "العدالة والتنمية" في تركيا قد سُمح له بالتقدم في الانتخابات؛ لأنه استطاع التكيُّف مع الواقع الدولي، وغيَّر من خِطابه الإعلامي، وخصوصًا في قضيتين هامتين بالنسبة للنظام العالمي وهما:

1- مبدأ العلمانية.

2- الاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود.

وأن الحزب بهذا قد اكتسب تأييد الاتحاد الأوروبي وأمريكا؛ فتم الضغط على المؤسسة العسكرية في تركيا للقبول بنتائج العملية الديمقراطية، ولولا هذا لما تمكَّن الحزب من تحقيق النجاح وتشكيل الحكومة.

 

وتتمادى المقُولة في الطرح لتؤكد أن الأحزاب، والحركات الإسلامية في البلاد العربية- ومنها جماعة الإخوان المسلمين- عليها أن تسير على هذا الدَّرب إذا أرادت أن يكون لها مكانٌ في الساحة السياسية.

 

والمقولة تحتاج إلى مناقشةٍ مستفيضةٍ:

أولاً: نجاح أي حزب لا يتم بإرادةٍ أوروبيةٍ أو أمريكية، وإنما يتم من خلال شعبية الحزب داخل بلده التي يكتسبها من خلال ثقة الجماهير في شفافية ونزاهة أفراده، وتمسكهم بقيم الدين والأخلاق.

 

ثانيًا: الخارجُ يُمكن أن يضغط فعلاً على النُّظم العسكرية والديكتاتورية من أجل السماح بهامشٍ من الديمقراطية، لكن الخارج لا يفعل ذلك لمصلحة الشعوب، وإنما لمصلحته هو، وهذه المصالح يحسِبُها بطريقته الخاصة، فلا يجب أن يُعوَّل عليه كثيرًا في إحداث التغيير.

 

ثالثًا: العلمانية يُفسرها كلُّ طرفٍ بطريقته الخاصة، بين قائلٍ إنها تعني الحرية الدينية، وعدم التفرقة بين المواطنين على أساسٍ دينيٍّ (وهو تفسير أردوغان لها)، وبين مَن يرى أن العلمانية ترفضُ الأديان جميعها، وتعني أنه لا دخلَ للدين في مسائل الحكم والتشريع والقوانين، وهو تفسير العلمانيين- خصوصًا العرب منهم- لهذه العلمانية، أما التفسير الأول فهو قريبٌ من معنى المواطنة، والذي قبلته كل القوى السياسية في مصر بما فيها جماعة الإخوان.

 

رابعًا: يرى المدافعون عن منهج حزب "العدالة والتنمية" أن تحقيق المنهج الإسلامي يحتاج إلى مرحليةٍ وتدرجٍ، ومحاولة الالتقاء مع النظام العالمي في مساحةٍ مشتركةٍ، وأن الجمود عند المواقف لن يسمح بتحقيق أي جزءٍ من المشروع الإسلامي.

 

خامسًا: يرى المعارضون لتجربة حزب "العدالة" أنه تنازل عن المبادئ والثوابت الإسلامية باعترافه بالعلمانية وبالكيان، وبإقامة العلاقات معها.

 

سادسًا: مرةً أخرى يرد المؤيدون بأن الحزب قد ورث العلاقة مع الكيان الصهيوني، وأنه حجَّمَها، وحوَّلها إلى علاقةٍ بسيطةٍ بعد أن كانت تعاونًا عسكريًّا وإستراتيجيًّا مع الكيان الصهيوني، كما أن الحزب استطاعَ بذكاءٍ سياسيٍّ منع مرور القوات الأمريكية على الأرض التركية في حرب العراق، أضف إلى ذلك أن الحزب تمكَّن من إجراء إصلاحاتٍ داخليةٍ كبيرة زادت من شعبيته، وإذا تمكَّن من الفوز بمقعد الرئاسة فستكون لديه مساحة أكبر للتوجه نحو المشروع الإسلامي.

 

وأخيرًا أقول: لا يجب أن نكون مع أو ضد التجربة التركية بالمطلق، فلكلِّ بلدٍ ظروفه، وتعقيداته السياسية، إنما يمكن الاتفاق على أن نجاح التجربة هو جزءٌ من نجاح المشرعِ الإسلامي السياسي، نتفق مع بعض تفاصيله ونختلف مع بعضها، والأهم أن تُدرس هذه التجارب بعنايةٍ للخروج بالدروس المستفادة.