اقترح الرئيس بوش عقد مؤتمرٍ دولي للسلام في خريف عام 2007م، وحدَّد عددًا من الموضوعات التي تصلح لجدول أعمال المؤتمر, وأهمها المستوطنات واللاجئون والدول الفلسطينية.
وقد سارعت بعضُ الدول العربية إلى الترحيب بهذا الاقتراح, كما رحَّبت به بعض الأقلام العربية، منطق المؤيدين لهذا الاقتراح هو أن المؤتمر يُعيد القضية الفلسطينية إلى الساحة والاهتمام الدوليين, بعد أن فقدت زخمها على الساحة الدولية بسبب الصراع الداخلي، كذلك يقوم منطق المؤيدين على أساس أن واشنطن لم تُقدِّم من قبل مبادرة متماسكة, وأن ربط المبادرة بحث الرئيس للدول العربية لتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني إذا أضيف إلى البنود الأخرى, فهي بوجه من الوجوه تنشيط للمبادرة العربية, وبالفعل أشار أمين عام الجامعة العربية إلى هذا المعنى، خاصةً أن الجامعة من خلال وزيري خارجية مصر والأردن تسعى إلى البحث عن صيغة مناسبة مع الكيان لتنفيذ هذه المبادرة.
يضيف المؤيدون سببًا وجيهًا آخر للقبول بالمبادرة، وهو أنه ليس من الحكمة اتخاذ موقف المعارضة والرفض لكل ما يصدر عن الكيان والولايات المتحدة؛ لأن هذا الموقف هو نفسه الموقف العربي التقليدي الذي عُرِفَ به العالم العربي, وأنه في ظل مناخٍ عام منفتح لا بد من فحص كل الخيارات والاستفادة منها، وألا نترك الساحة لإسرائيل لتنفرد بعقول الآخرين.
غير أن تقييم مبادرة بوش يتطلب إدراك الحقائق الخمس الآتية:
الحقيقة الأولى: هي أن الكيان الذي ظلَّ يرفض تدويل القضية الفلسطينية تقبل لأول مرة بفكرة المؤتمر الدولي, وهذا يعني أمرين, أولهما: أنه يفهم المؤتمر الدولي على أنه مساندة لخطته في عزل حماس ودعم سلطة أبو مازن وتعميق التحالف معه على هذا الأساس.
والأمر الثاني هو أن المؤتمر يفرض على الدول العربية ما رفضته في قمة الجزائر العربية، وهو فك الارتباط بين القضية الفلسطينية, والعلاقات العربية مع الكيان, أي وضع حد نهائي لما يُسمَّى بالصراع العربي الصهيوني، ليحل محله الصراع بين "الشرعية واللاشرعية" داخل فلسطين بالمفهوم الصهيوني والأمريكي.
ورغم أهمية المؤتمر البالغة فالشك وارد في استمرار قبول الكيان وتحمسه لهذا المؤتمر حتى انعقاده حتى لا يكون المؤتمر سابقة, رغم أن المؤتمر لا علاقةَ له بالقضية الفلسطينية من حيث البحث لها عن مخرج أو تسوية لا في إطارها الداخلي ولا في إطارها المتعلق بالكيان.
الحقيقة الثانية: هي أن الإدارة الأمريكية الحالية هي أكثر الإدارات منذ نشأة الولايات المتحدة التي تفضل المصلحة الصهيونية على المصلحة الأمريكية, وهذا ما سجلته دراسة هارفارد الشهيرة الصادرة في مارس 2006م, وهو ما لا يمكن المجادلة فيه, وإن أمكن المجادلة حول تفسير هذه الحقيقة الجديدة في السياسات الأمريكية, وهو الوجه الآخر لتدهور القوة العربية القادرة على إحداث أي درجةٍ من درجات التوازن والاعتدال في الموقف الأمريكي.
مؤدَى هذه الحقيقة- في تحليلنا- هو أن هذه الإدارة لا يمكن أن تعلن عن أي شيء يتعلق بالمنطقة دون التنسيق مع الكيان، ومن بابٍ أولى لا تملك اتخاذ مواقف لا يريدها الكيان, بل يفرضها استغلالاً لهذه الفترة النادرة حقًّا في تاريخ السياسات الأمريكية في المنطقة.
الحقيقة الثالثة: هي أن واشنطن تريد أن تقدم ما لم تتمكن من تقديمه طوال السنوات السابقة من حكم بوش للكيان, وتريد أن تتوج عمل هذه الإدارة بما يؤدي إلى خريطة جديدة, ليس فقط للسياسات والمواقف, وإنما للقوى والأوضاع.
هذه الحقيقة تتصل بالحقيقة السابقة, وهي نفسها كانت أحد أهم دوافع واشنطن للمسارعة إلى رفض المبادرة الروسية في صيف عام 2005م لعقد مؤتمر دولي في خريف ذلك العام أيضًا, ولكن في موسكو بأجندة تحقق بعضًا من السلام المفقود في المنطقة, فما كاد الرئيس بوتين يعلن في القاهرة عن هذه المبادرة حتى استبق الكيان زيارته له بالرفض الفوري, رغم كل ما يربط روسيا والكيان في مجال الأمن ومكافحة "الإرهاب".
الحقيقة الرابعة: هي أن بوش الذي ردد مرارًا رؤية الدولتين في المنطقة, واستصدر لذلك قرارًا من مجلس الأمن بهذه الرؤية, لم يف بأي وعد, وأنه وظَّف هذه الرؤية للتغطية على الدعم الأعمى للكيان الصهيوني، ومساعدته على إبادة الفلسطينيين, ولذلك فإن حديثه عن الدولة الفلسطينية الذي يتفق في الإخراج المسرحي مع الموقف الصهيوني ليس إلا من قبيل الاستمرار في دغدغة مشاعر شعبٍ مُدركٍ بحاسته أنه يسير نحو الهاوية, وأن مجرد بقائه على قيد الحياه ليس مضمونًا, ناهيك عن أن يكون هذا البقاء في حدود دولة خاصة به.
كذلك يدرك الجميع أن رؤية الدولتين ظهرت في فترة كانت واشنطن تحذر فيها العالم العربي ليقبل خطة شارون بإبادة الشعب الفلسطيني, وبوش نفسه مقبلٌ على أعظم إنجاز لهيمنة الكيان وهو غزو العراق والقضاء عليه كقوةٍ عربيةٍ رئيسيةٍ على الأقل محسوبة على مجمل القوة العربية تقريبًا؛ فهو ليس بحاجةٍ إلى إغواء العالم العربي برؤية تتناقض تمامًا مع ما سبق من سلوك أمريكي عازم على وضع اللمسات الأخيرة على قبر القضية الفلسطينية.
ويبدو, اتصالاً بهذا السياق, أن الرئيس بوش عزَّ عليه أن يغادر البيت الأبيض في العام القادم دون أن ينضم إلى سنن أسلافه بوش الأب وكلنتون في تقديم مبادرة للتسوية إبراءً للذمة التاريخية, وحتى تكون شاهدًا على سعي الولايات المتحدة قدر المستطاع، وعلى الله التوفيق والسداد.
الحقيقة الخامسة: هي أن بوش سبق أن سلم شارون في واشنطن يوم 14 أبريل 2004م وثيقة الضمانات الشهيرة التي نقلت الموقف الأمريكي من القضية نقلة نهائية لصالح الكيان استخفافًا بكل قواعد التسوية الوهمية في نطاق ما يُسمَّى بالشرعية الدولية, وهي الوثيقة التي عبَّرت عنها صحيفة الـ(واشنطن بوست) برسم كاريكاتوري يوم 15 من أبريل بأنها صك التوقيع على بياض الذي سلمه الحمار (بوش) إلى الخنزير (شارون) وفقًا لهذا الرسم المعبر.. تقول الوثيقة باختصار: "إن ما تقوم به إسرائيل على الأرض هو الذي يرسم خطوط التسوية, على عكس الصيغة السابقة القائلة بأن الأمر الواقع لا يغير قواعد التسوية السياسية والقانونية، وإذا نسي بوش هذه الوثيقة, تكفل سفيره "اليهودي" في إسرائيل (السفير الأمريكي السابق في القاهرة) بتذكيره علنًا كما حدث في مراتٍ سابقة, خاصةً بعد أن ألفت الإدارة الأمريكية أن مَن حق سفرائها اليهود تغليب الانتماء اليهودي على الولاء السياسي لبلد الجنسية الأمريكية, فهم يهود أكثر من كونهم مبعوثين للإدارة الأمريكية, والشاهد على ذلك تجسس السفير الأمريكي في الكيان ضد حكومته، فكانت مكافأته تعيينه مساعدًا لوزيرة الخارجية مادلين أولبريت لشئون الشرق الأوسط".
لا أظن أن أحدًا يجادل في هذه الحقائق الخمس السابقة التي تصدر المبادرة الأمريكية على خلفيتها, وفي واقعٍ فلسطيني يشهد انقسامًا سياسيًّا وإقليميًّا بين غزة ورام الله, واتجاه عام في العالم العربي ضد حماس, يُعبِّر عن نفسه بطرق مختلفة أبسطها دعم "شرعية أبو مازن" نحو تكريس خطه في السعي لاقتلاع حماس, فماذا يتوقع بعد ذلك من مؤتمر بوش سوى تدويل السعي إلى القطيعة بين فتح وحماس مع إلحاحٍ صهيوني يومي على أبو مازن, وعليه أن يختار بين الحوار مع ألدِّ أعدائه أو مع حلفائه الجدد الذين يجري "الخير والمساندة" في ركابهم، وللقارئ أن يضع منطق المؤيدين أمام الحقائق المتصلة بهذه المبادرة.
ومع ذلك فإنني لا أنصح برفض هذه المبادرة وإنما بدراسة أجندتها وإدراك الحقيقة حولها, وهي أن واشنطن لن تُغيِّر رأيها في حماس, مما يدعو إلى القول بأن كل مَن يدعو إلى استئصال حماس ودعم فتح وأبو مازن سيجد ضالته في هذه المبادرة, التي تؤدي بالفعل إلى تصفية القضية, أما مَن كان يريد الحوار الوطني الفلسطيني والصوت الفلسطيني الواحد, فلا أظن أن المبادرة تسعفه أو تشفي غليله اللهم إلا إذا حدثت مفاجأةً غير متوقعة في واشنطن فتحولت واشنطن إلى الخير والعدل والسلام وتخلَّت عن خطها المفضل في تأمين كل طموحات إسرائيل في المنطقة.
وأخيرًا, يجب أن يدرك المؤيدون للمبادرة والمتفائلون بها أن تصفية القضية على هذا النحو بدايةٌ لفوضى جديدة قد تُرضي مَن يرى في أي حِراكٍ أمريكي في المنطقة ما يتفق مع دعوته وآماله في دمار المنطقة.