أصدر معهد (كارنيجي) للسلام بالولايات المتحدة تحت ورقة بحثية من المنتظَر لها أنْ تُثير العديد من النقاشات بعنوان: "النساء في الحركات الإسلامية" تناولت بالبحث والتحليل واقعَ ومستقبلَ المنتسبات للحركات الإسلامية وأدوارهن، من خلال مقابلات أجرتها مُعِدَّتا الدراسة أمية عبد اللطيف وماريانا أوتاي مع عددٍ من الناشطات المنتسبات لجماعة الإخوان المسلمين بمصر وحزب الله اللبناني وناشطات إسلاميات أخريات بالكويت والمغرب، وعددٍ من البلدان العربية والإسلامية الأخرى.
وقد خصَّصت الورقة جزءًا كبيرًا منها لتوضيح طبيعة خصوصية الحركة النسوية الإسلامية، واختلافها عن الحركات النسوية الأخرى في العالم، وأبْدَت الورقة "تفهُّمًا كبيرًا" تجاه هذه الخصوصية؛ حيث أكَّدت الورقة أنَّ مشاركة المرأة في الحركات الإسلامية تعكس اتجاهًا متزايدًا نحو النشاط النسوي في العالم العربي، وإنْ كانت مختلفة تمامًا عن المعايير الغربية؛ فالناشطات التي أُجريت عليهن الدراسة أبْدَيْنَ تأييدهن للكثير من قضايا المرأة، وإن كُنَّ تحفَّظهن على مصطلح "النسوية الإسلامية"، وأكدنَ أنَّ المرجعية الإسلامية وحدها هي المرجعية التي يستندْن إليها في عملهن بدلاً من المبادئ الغربية، والتي وصفوها بالدخيلة على المجتمع الإسلامي.
وأكدت الدراسة أنَّ الناشطات الإسلاميات يؤكدن أنَّ الدفاع عن حقوق المرأة جزءٌ من الدفاع عن الإسلام ذاته، وإن كان رأي مُعِدَّتا الدراسة أنَّه لا يزال من المبكِّر استخلاص نشأة نموذج إسلامي متكامل لمعالجة قضايا المرأة ومخاوفها، لكنْ مما لا شكَّ فيه أنَّ المحاولة جاريةٌ لإعداده، وهو ما سيمثِّل نقلةً كبيرةً في تأثير وإنجازات الحركة النسوية سيفوق ما أنجزتْه المنظمات النسوية التي تعمل وفق المبادئ الغربية.
العمل العام
وعن الأسباب التي دفعت المرأة للانخراط بالعمل العام- وخصوصًا داخل الجماعات الإسلامية- وضعت الدراسة ثلاثة أسباب رئيسية، هي:
أولاً: احتياج الحركات الإسلامية إلى النساء في صفوفها؛ من أجل الوصول إلى كافة شرائح المجتمع، وإدراك النساء لمدى أهميتهن داخل حركاتهن، وسعيهن للحصول على دورٍ أكبر كـ"ناشطاتٍ سياسيات".
ثانيًا: زيادة عدد المثقَّفات المنخرطات في الحركات الإسلامية في العِقدَيْن الأخيرَيْن، مع إدراك الكثير من الناشطات في مجال حقوق المرأة أنَّ الانضواء تحت لواء المبادئ الإسلامية وما تلاقيه من قابلية عند المجتمع تسهِّل كثيرًا من حركتهن وقبولهن لدى الشارع في دفاعهن عن قضايا المرأة.
- أمَّا السبب الثالث فهو الانتخابات؛ حيث كان للمرأة في ميدان الانتخابات الكثير من الجهد والحاجة إليها من قِبَلِ الحركات الإسلامية للوصول لشرائح معينة وكسب أصواتها.
الغرب
جانب آخر تناولته الدراسة، هو قضية الاختلاف مع الغرب، وعدم تفهُّم الغرب لخصوصية المرأة المسلمة؛ حيث كان هذا الجانب هو أحد أهم الجوانب الحاضرة بالدراسة؛ حيث وصفت الدراسة آراء الغرب حول النساء المنتميات للحركات الإسلامية بالمغلوطة والمقلوبة، ولا تستند إلى معرفة بحقيقة عملهن؛ حيث جاء بالورقة أنَّه قلَّما ينقل المعلِّقون الغربيون رأيًا إيجابيًّا عن علاقة الإسلام- كأيدولوجيا أو كدين- بالمرأة؛ فالرأي السائد في الغرب يصوِّر المرأة على أنَّها "ترزح تحت وطأة القمع في مجتمعات ذكورية، ومقيّدة بسلاسل ثقافية، وقوانين دينية"، ويستند مؤيدو هذا الرأي إلى الزيادة الملحوظة والمذهلة أحيانًا في أعداد المحجبات من كافة الطبقات الاجتماعية، ويسارعون إلى استخلاص أنَّ الإسلام السياسي- الذي نما في السبعينيات- يستخدم الدين لسَنِّ قوانين، وممارسات تمييزية، بحسب الورقة.
أمَّا أحد أهم المغالطات التي يقع فيها الغرب في هذه النقطة- وفق ما كشفته الورقة- فهو اعتبار الإسلام وحقوق المرأة نقيضَيْن في الإسلام، وتصوير الدين الحنيف على أنَّه رمز لقمع المرأة.
واستشهدت الدراسة بمقولة لإحدى الناشطات في منظمة غير حكومية، حين وصفت الحجاب للقاصر بأنَّه يساوي اغتصابها واستغلال جسدها، وتعريفه كغرض جنسي، وجاء ردُّ الباحثتَيْن مُعِدَّتَيْ الدراسة على هذه النقطة واضحًا؛ حيث فرَّقتا بوضوحٍ بين الأعراف القمعية التي تُمارَس من قِبَلِ بعض المجتمعات والأشخاص وبين تعاليم الدين الإسلامي، وقالتا: لا تكاد المنظمات النسائية تُميِّز الأعراف التي تنتقدها بأنَّها قمعية، لكن بعض تلك الأعراف أكثر تعقيدًا من ذلك، مثل قوانين الإرث، والأحوال الشخصية التي تعترف على الأقل ببعض الحقوق.
وخُتِمَت الدراسة في هذا الموضوع بالقول: "إنَّ ارتداء الحجاب- المُدان بشدة في الغرب- أحد أكثر المفاهيم صعوبةً من ناحية التقييم، فكثيرٌ من النساء اخترْنَ الحجاب بملءِ إرادتهنَّ، أو تمرُّدًا ضد النظام القمعي والمنظومة الغربية".