أُسدل الستار يوم الثلاثاء الفائت على المأتم الديمقراطي الذي شهدته المملكة أثناء ما سمِّيَ بالانتخابات البلدية، فالتزوير، والتكرار، والاعتقال، والطرد، والضرب، وإطلاق النار، وإشعال الإطارات في الشوارع- كما حصل في مادبا- كان العنوان الرئيسي لهذا اليوم، وبالتالي لا نريد أن نستمع بعد الآن إلى مقولة "العرس الديمقراطي" الذي صمَّت الحكومةُ به آذاننا إبَّان كل انتخابات تجري، سواءٌ كانت بلدية أو تشريعية!!

 

لقد أصبح للديمقراطية في الأردن أنيابًا حادَّةً تفترس، وأسنانًا قويةً تغرسها في جسد المواطن.. ديمقراطيتنا لا كغيرها من الديمقراطيات.. ديمقراطية تأتي جاهزةً لأشخاص بعينهم، ولا تصلح إلا لهم، والآخرون لهم الله، ثم غُرَفٌ مغلقة أو عِصيٌّ متهالكة مهترئة!!

 

 

منذ صباح الثلاثاء الفائت والأمور تسير إلى غير ما أراد الشرفاء، وإلى غير ما أراد الغيورون الحقيقيون على الوطن، ونستطيع أن نسمِّيَ ما حصل يوم الثلاثاء الفائت أيَّ شيء إلا أن نصِفَها "بالانتخابات".

 

فلا انتخاباتٍ حقيقيةً بوجود مئات الأوراق الانتخابية داخل الصناديق، وذلك بعد ساعتين على فتح باب التصويت، في حين أن المركز الانتخابي بأكمله لم يدخله مائة شخص!!

 

لا انتخاباتٍ حقيقيةً في منع الصحفيين من دخول مراكز الاقتراع للتصوير والتوثيق، رغم وجود ما يدل على أنهم صحفيون، يتبعون مؤسسات إعلامية معروفة ومحترمة!!

 

لا انتخاباتٍ حقيقيةً في طرد غالبية مندوبي مرشحي الحركة الإسلامية واعتقال بعضهم، ثم التساهل مع مندوبي المرشحين الآخرين ومساعدتهم!!

 

ليست المشكلة في الحركة الإسلامية التي سعت وتسعى دومًا إلى خدمة المواطن، وليس دخولها الانتخابات- سواءٌ التشريعية أو البلدية- هدفًا بحد ذاته، بقدر ما هو وسيلة لتوصيل رأي المواطن المقهور والمسحوق وهمومه إلى المسئولين، بكل أمانة وقوة وصدقية، لا محاباة فيها ولا نفاق، وعلى هذا عَهِد الشعب الأردني الإسلاميون.

 

جاءت مجزرة التزوير يوم الثلاثاء لتُنبِئَ عن ترتيبات معَدَّةٍ سلفاً للتزوير، فالأسلوب والتوقيت الذي كان متناغمًا متوحِّدًا متناسقًا في جميع مدن المملكة- خاصةً في الزرقاء وإربد ومادبا- أوجد لدى المواطن رهبةً كبيرةً من أن قوى أكبر من صوته وحقه الديمقراطي الذي كفله له الدستور لها عكس ما له وتريد عكس ما يريد، وليس بعيدًا عنا ما حدث من تزوير وتشويه داخل المراكز الانتخابية.

 

كان هناك تزوير وتشويه آخر، يُبَثُّ عبر شاشة التلفزيون الأردني العتيد، الذي أبى إلا أن يغرِّد خارج السرب، ليلتقط صورًا ويُجري مقابلاتٍ مع أشخاصٍ لا علاقةَ لها ولهم البتة بالانتخابات البلدية في الأردن، لتكتمل فصول المشهد منذ بدايته حتى نهايته.

 

ويبقى السؤال الكبير العظيم الذي لم يجد أحدٌ له إجابةً حتى اليوم: ما الذي يضير الحكومة إن فازت الحركة الإسلامية في بعض البلديات أو كلها، أو في حصولها على عدد أكبر في مجلس النواب، رغم أن السنوات الستين الماضية من عمر الحركة الإسلامية كانت كلها أدلةً قاطعةً على أنها صمامُ أمانٍ لهذا الوطن؟!

 

ثم نُتبِعُه بسؤال آخر لا يقل ثقلاً عن سابقه: لمصلحة مَن تصادَر وتُغيَّب إرادة الشعب الأردني في اختيار مَن يمثِّله بكل نزاهة وشفافية، حتى فقَدَ المواطن الأردني ثقتَه في جميع الديمقراطيات المحلية والعربية والعالمية، بكافة أشكالها وألوانها، فمتى تكفُّ الأيدي الخفية؟!

 

ما حصل يوم الثلاثاء المشؤوم كان طعنةً بحق الديمقراطية في الأردن، غرَسَها بعضُ المتسلِّطين من الذين لا يعرفون إلا الشعارات البرَّاقة، والهتافات الرنَّانة.. أولئك الذين فضَّلوا مصالحهم الشخصية على مصالح الوطن والمواطن، فكان يوم الثلاثاء لهم بغير حق، وكان الأردن لنا.. ولتبقَ أيادينا بيضاءَ من غير سوء.