رحَّبت حركة المقاومة الإسلامية حماس بالاستقالة التي قدَّمها محمد دحلان اليوم من منصب مستشار الرئيس للأمن القومي، وقالت الحركة في بيانٍ لها: إن الاستقالة تُعد خطوةً إيجابيةً لإصلاح حركة فتح من الداخل.

 

من جانبهم أكد عددٌ من الخبراء والمتخصصين في الشأن الفلسطيني أن هذه الاستقالة جاءت كنتيجة طبيعية لإفرازات الواقع الفلسطيني بعد الأحداث التي شهدتها غزة، مؤكدين أنه قرارٌ كان يجب على دحلان اتخاذه منذ نهاية الأحداث وفرض حركة حماس سيطرتها على القطاع.

 

ويرى اللواء دكتور عادل سليمان- مدير مركز الدراسات المستقبلية- أن هذه الاستقالة جاءت متأخرةً كثيرًا بعد فشل دحلان وقواته في الصمود أمام كتائب القسام، وفشل قوات الأمن التابعة له في حفظ الأمن داخل قطاع غزة قبل الحسم العسكري لحماس، وقلَّل سليمان من تأثير هذه الاستقالة على مجريات الأحداث، أو أنها من الممكن أن تكون بدايةً لعودة الحوار بين فتح وحماس؛ باعتبار أن دحلان كان ورقةً محروقةً، ولم يعُد لها فائدة في السلطة التنفيذية، كما أنه مغضوبٌ عليه داخل حركة فتح نفسها.

 

في حين أكد د. طارق فهمي- الخبير بالمركز القومي للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن هذه الاستقالة تحمل وجهين: الأول أنها نتيجة حتمية لفشل دحلان في فرض الأمن داخل القطاع وهزيمته على يد قوات حماس، وبالتالي فهي أقرب إلى الانحناء للعاصفة حتى تهدأ، أما الوجه الآخر فهو أنها استقالة تكتيكية معروفة بطريقة دحلان نفسه، والتي تأتي ضمن الحالة الفلسطينية الراهنة ومحاولة المساومات والدخول في صفقاتٍ، مشيرًا إلى أن دحلان مارس هذه السياسة أكثر من مرة وحتى عندما كان في أيام ياسر عرفات.

 

وأوضح فهمي أن هذه الاستقالة لن يكون من نتائجها اختفاء دحلان بشكلٍ كبير، ولكنها استقالة شكلية لحين ترتيب الأوضاع حتى تهدأ العاصفة، إلا أن الظاهرة الدحلانية ستبقَى قائمةً داخل الأجهزة الأمنية، وقال: إن قادة الأجهزة الأمنية من أصدقاء دحلان- مثل جبريل الرجوب ورشيد أبو شباك وغيرهما- اعتادوا على مثل هذه الاستقالات في وقت الأزمات، إلا أنهم يعودون بعدها لمناصب أقوى.

 

وأشار فهمي إلى أنه يجب على الرئيس الفلسطيني القيام بعملية إصلاح واسعة، أو ما يُشبه التطهير داخل حركة فتح، للقضاء على الظاهرة الدحلانية داخل الحركة، مؤكدًا أنه بدون ذلك فإن وجود رئيس السلطة نفسه سيكون مهددًا.

 

وكان دحلان قد أرسل بخطابِ استقالتِه لرئيس السلطة لإعفائه من منصبه كمستشار لرئيس السلطة محمود عباس لشئون الأمن القومي وأمين سر المجلس، وعلَّل بيانٌ صحفيٌّ، صادرٌ عن مكتب دحلان أن الاستقالة جاءت لـ"أسباب صحية".

 

وقال دحلان في كتاب الاستقالة الذي أرسله من المستشفى الذي يتلقَّى فيه العلاج بيوغسلافيا: إنه و"نظرًا لظروفه الخاصة، وبسبب ابتعاده عن العمل في الآونة الأخيرة، وإمكانية أن يستمر العلاج لفترة طويلة، فإنه قرَّر الاستقالة من منصبه كمستشار الرئيس لشئون الأمن القومي".

 

وشكر دحلان رئيس السلطة محمود عباس على دعمه المتواصل له طوال فترة عمله إلى جانبه، مؤكدًا أنه "سيبقى دومًا إلى جانب الرئيس جنديًّا وفيًّا"، على حدِّ وصفه، وقد قبل عباس الاستقالة.

 

يُشار إلى أن محمد دحلان أصبح غيرَ مرغوب فيه من قِبَل رئيس السلطة والولايات المتحدة الأمريكية وحتى الكيان الصهيوني، بعد أن فشل في النَّيل من حركة المقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة عسكريًّا، وذلك في الوقت الذي كان يتم إمداده بملايين الدولارات والسلاح والعتاد العسكري من تلك الأطراف.

 

كما تأتي استقالة دحلان في الوقت الذي بدأت تتكشَّف فيه الوثائق، التي ضُبِطت في مقرات الأجهزة الأمنية التي كان يسيطر عليها فعلاً، والتي تُديْنُه بسلسلة من قضايا العِمالة للاحتلال الصهيوني، وضلوعه في اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

 

فقد كشفت هذه الوثائق عن رسالة بعث بها دحلان إلى شاؤول موفاز- وزير الحرب الصهيوني في حينه- قال فيها: "تأكدوا أيضًا أن عرفات أصبح يَعُدُّ أيامه الأخيرة.. ولكن دعونا نُنهيه على طريقتنا وليس على طريقتكم".

 

وجاء في رسالة دحلان لموفاز: "تأكدوا أيضًا أن ما قطعتُه على نفسي- والكلام لدحلان- أمام الرئيس الأمريكي جورج بوش من وعودٍ.. فإنني مستعدٌّ لدفع حياتي ثمنًا لها".

 

وأخطر ما جاء في الرسالة تأكيده على ما كشفته حركة حماس عقب سيطرتها على المقارّ الأمنية من حالات ابتزاز مسئولين ووزراء ونواب، فقد جاء في الرسالة: "نحن بدأنا في محاولة استقطاب الكثير من أعضاء التشريعي- من خلال الترهيب والترغيب- حتى يكونوا بجانبنا وليس بجانبه".