واشنطن- أمريكا إن أرابيك
أصدر مركز بحثي أمريكي مستقل معنيٌّ بمراقبة المصارف الدولية تقريرًا هذا الأسبوع، أشار فيه إلى أن مصر أصبحت الدولة الأكثر مديونيةً في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط بعد نجاح المصارف العامة الدولية التي تسيطر عليها الدول الصناعية- مثل البنك الدولي، وبنك التنمية الإفريقي، ومؤسسة التمويل الدولية- في إقناع القاهرة بالاقتراض بكثافة منها عبر الخمس سنوات الأخيرة، غير أن خبراء في المركز حذَّروا من التأثير العكسي للقروض على التنمية في مصر وباقي المنطقة.
وقال مركز معلومات المصارف "بنك إنفورمشن سنتر"- الذي مقرُّه واشنطن، في تقريره الأول عن حالة اقتراض الحكومات العربية والشرق أوسطية من البنوك الدولية العامة، أي المصارف التي تموِّلها وتتحكَّم فيها حكوماتٌ أجنبية-: إنه على الرغم من أن هذه البنوك تنشط في المنطقة العربية منذ سنوات طويلة، إلا أنها كثَّفت من مجهوداتها في إقناع دول المنطقة بالاقتراض بصورة ملحوظة خلال السنوات الخمس الماضية؛ حيث بلغت القروض مبالغ قياسية للمنطقة وجاءت مصر على رأس القائمة.
وقال التقرير:"إن ربع هذه القروض- للمنطقة كلها- ذهب لمصر وحدها"، وأضاف أن منطقة شمال إفريقيا بأكملها مثَّلت 60% من إجمالي هذه القروض، أي أن ما يقرب من نصف القروض لمنطقة شمال إفريقيا ذهب لمصر، في حين ذهب الباقي- أي 40%- إلى باقي منطقة الشرق الأوسط، مثل إيران وسلطنة عمان والأردن وسوريا.
وأضاف التقرير: "في الخمس سنوات الماضية اقترضت مصر من البنك الدولي وحده أكثر من أية دولة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، فحصلت وحدها على 1.272 مليار دولار وتبعتها إيران بإجمالي 1.1 مليار دولار".
وقال إن المغرب جاءت في المرتبة الثالثة في الاستدانة من البنك الدولي- الذي مقرُّه الرئيس هنا في واشنطن- بمقدار 838 مليون دولار، ثم تونس بمقدار 803 ملايين دولار.
وأوضح التقرير أن مصر مثلها مثل حالتها مع البنك الدولي كانت الأكثر استدانةً من مؤسسة دولية أخرى تسيطر عليها الدول الصناعية، وهي مؤسسة التمويل الدولية (أي إف سي)، والتي تُعتبر الذراع الذي يقدم القروض للقطاع الخاص في الدول المقترضة؛ فقد اقترضت مصر بمفردها 283 مليون دولار من هيئة التمويل الدولية عبر السنوات الخمس الماضية، تبعها في ذلك سلطنة عمان والجزائر والعراق، وذلك حسب تقرير مركز مراقبة المصارف.
كما كانت مصر أيضًا أكبر مقترض عبر الخمس سنوات الماضية من بنك الاستثمار الأوروبي (إي أي بي)؛ إذ وصل إجمالي قروضها إلى 3 مليارات دولار، في حين جاءت تونس في المرتبة الثانية بإجمالي 1.7 مليار دولار، ثم المغرب بمقدار 1.3 مليار دولار، وأخيرًا سوريا بمقدار 978 مليون دولار.
ولم يكن حال مصر أحسن مع بنك التنمية الإفريقي؛ إذ وقَّعت مصر على أكبر قرض في تاريخ البنك على الإطلاق، كما كان القرض ذاته- بحسب نيكي رايتش (الخبيرة في الشئون المالية للقارة الإفريقية في مركز مراقبة المصارف)- هو القرض الأكبر كدفعة واحدة في تاريخ مصر، وجاء هذا القرض بقيمة 500 مليون دولار دفعةً واحدةً ذهبت لعملية التغييرات المصرية في القطاع المالي والمصرفي في مصر، ووقَّعته وزيرة التعاون الدولي المصرية فايزة أبو النجا في شهر نوفمبر عام 2006م.
وجاء إجمالي القروض لمصر من بنك التنمية الإفريقي 971 مليون دولار، غير أن المغرب سبقت مصر في إجمالي القروض من هذا المصرف، فوصلت القروض المغربية إلى 1.6 مليار دولار.
وقالت نيكي رايتش- في تعليق خاص لوكالة أنباء (أمريكا إن أرابيك)- إنها تشكِّك في جدوى هذه القروض لدول المنطقة، وخصوصًا مصر، مضيفةً "أن تبرير هذه القروض بحجة التنمية غير واضح؛ حيث إنه من العسير تتبع المال إلى مستخدميه النهائيين لكي نحكم على الفائدة النهائية".
وأوضحت أن إقراض المصارف المحلية أو حتى إقراض الوسائط الماليين في الدول المقترضة لا يعني تنميةً للمجتمع، فقالت إن ذلك يرجع لعدم وجود رقابة على هذا المال؛ فعلى سبيل المثال ترفض هيئة التمويل الدولية "إيراد تقارير عن التأثير النهائي لكل من هذه المشاريع".
وشرحت إسراع هذه الدول المقترضة في الإقبال على الاستدانة، رغم الشكوك في جدواها على مسألة التنمية، فقالت رايش: إن ذلك يرجع لنجاح الدول الغنية مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، في تمرير سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، على أنها نصائح محايدة في أنها تخدم مصلحة الدول الغنية ومؤسساتها وشركاتها.
وتروِّج هذه المؤسسات للتحرر الاقتصادي الكامل قبل حدوث تنمية فعلية في الدول النامية، وهو ما ينتج عنه نقل الثروات من الدول الفقيرة إلى الشركات الأجنبية تحت بند التنمية وخدمة القطاع الخاص، وخلق وظائف جديدة، وينتج عنه أيضًا بيع الممتلكات القومية لرجال الأعمال والشركات الغربية.
وقالت رايتش في تصريحاتها للوكالة: إنه على الحكومات العربية وحكومة القاهرة أن تسأل نفسها هذا السؤال: هل تسعى هذه المصارف الدولية العامة لخدمة ملاَّك أسهمها والمستثمرين أو أنهم حقًّا يتعاملون مع حاجات الناس الأفقر ويُسهمون في نموٍّ وإنتاجٍ يساعد على التنمية والمساواة؟! وهناك شيءٌ واحد واضح بشكل جلي في كل هذا، وهو: مع تزايد التدفق في القروض الأجنبية على المنطقة فإن الشعوب والمؤسسات العامة هناك لها الحق في معرفة الأهداف من هذه القروض وتأثيرها الفعلي على الناس وعلى البيئة.
يُذكر أن هذه المؤسسات تسيطر على معظمها الولاياتُ المتحدة كأكبر مساهم ومن بعدها الدول الأوربية واليابان، ويقول كثير من الاقتصاديين وجماعات التنمية العالمية المستقلة إن الفترة التي شهدت تدفقًا من الاستثمار الأجنبي وحركة الشركات الكبيرة في الدول الصناعية إلى الدول النامية- ومنها الدول العربية- ازداد فيها عدم المساواة على مستوى دولي.
كما تقول العديد من المنظمات مثل منظمة "جلوبال إكستينج" إنه بدون إيقاف للمضاربات في رأس المال في الدول النامية وبدون مراقبة رأس المال الأجنبي فإن العالم الثالث سيبقى مقيدًا وخاضعًا للدول الصناعية الكبرى في الغرب، وسيزداد الفقر وعدم المساواة؛ مما يهدد الأمن الاجتماعي للدول النامية، بما فيها الدول العربية والإسلامية، ويؤدي ذلك إلى زيادة الغضب الشعبي؛ مما يولِّد أخيرًا الحركات العنيفة والتهديدات لأنظمة الحكم السائدة في الدول النامية، ويدفعها إلى سلسلة طويلة من الاضطرابات والانقلابات والعنف المضاد!!