صافيناز كاظم

 

عام 1968م كتب عبد الرحمن الشرقاوي مسرحيته "وطني عكا"، وفي الموسم المسرحي 1969- 1970م قدمها المسرح القومي عرضًا مسرحيًّا من إخراج كرم مطاوع.

 

سبب لي النص الذي قرأته، والعرض الذي شاهدته لـ"وطني عكا"، في ذلك الوقت نوفمبر 1969م، حالة اندهاش وصدمة وغضب شديد مرتبطة بما طرحته المسرحية من مغالطات وأفكار حول فلسطين وصراع العرب ضد الصهيونية.

 

في ذلك الوقت كنت، رغم كل الانهيارات، بريئة الذهن حسنة الظن فتصورت أن ما طرحه الشرقاوي من افتراضاتٍ خطرة مجرَّد خطأ وقع فيه بحسن نية بسبب ما أسميته "ليبراليته الميلودرامية" وبسبب عدم إلمامه بحقائق موضوع الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، ولكن موقف عبد الرحمن الشرقاوي فيما بعد بتأييده خط الصلح الكامل الذي انتهجه السادات، وتطابق المغالطات التي طرحها عام 1969 في مسرحيته تلك مع المغالطات التي ظل إعلام السادات يرددها حول علاقتنا بالكيان الصهيوني المغتصب، جعلني اكتشف أن عبد الرحمن الشرقاوي لم يكن واقعًا في خطأ كما حسبت ولكنه بكامل قواه العقلية والأيديولوجية كان متبنيًّا لتلك المغالطات.

 

تبدأ مسرحية "وطني عكا" ببطلها الفلسطيني حازم يروي في تمهيد قصة ضياع الأرض الفلسطينية قائلاً: "إنكم لم تعرفوا المأساة حقًّا.."، وتحسب أنه سيقول ما لم يوضع من قبل في إطاره السليم أن المأساة تبلورت بدايتها منذ وعد بلفور، 2 نوفمبر 1917، المؤيد للصهيونية التي تعتبر اليهودية جنسًا وقوميةً، وكيف اعتمدت على قوى الاستخراب الغربي القديم ثم تقدمت مع الاستخراب الجديد الذي تحمل لواءه أمريكا، وكيف أنها لصيقة بالإمبريالية العالمية، مستفيدة منها ومدعمة بها وخادمة لأغراضها ولم تكن أبدًا ضحيتها أو متورطة معها، لكننا نرى بطل الشرقاوي حازم هذا لا يكف عن ترديد الخطابة القديمة والرؤيا المسطحة بأن المأساة بدأت 1948م بهزيمة النظم العربية أمام الجيش الصهيوني الصغير.

 

من ثم يبدأ الشرقاوي في تقديم افتراضات لنماذج من العسكرية الصهيونية يفترسهم تأنيب الضمير صبيحة انتصارهم واستيلائهم على الأراضي العربية عام 1967م، ويظهرون كلهم كضحايا تضليل الصهيونية، حتى الذي شارك في تكوين تنظيم لشباب الصهيونية في لندن، ويصل تأنيب الضمير بواحدٍ منهم اسمه "مارسيل" وهو فرنسي الأصل إلى أن يترك "إسرائيل" ويعود لفرنسا احتجاجًا على مخالفات "إسرائيل".

 

خلال عرضه لا ينسى الشرقاوي أن يقدم لنا كذلك شخصية صحفية فرنسية اسمها "إيمي"، أدتها سميحة أيوب، جاءت لتكتب عن المقاومة الفلسطينية وتحكي لنا عن: "جندي إسرائيلي حر، سئم الحرب ففر، ومات الجندي المسكين، وكانت آخر كلمات أطلقها، فليحيا الإنسان صديقا للإنسان!"- هذا المقتطف بين الأقواس من نص المسرحية- وعندما نصل إلى المشهد الأخير يصور لنا الشرقاوي نضج وكثافة ما ادَّعاه طوال مسرحيته من الأصوات الحرة التي ارتفعت داخل "إسرائيل" وتأثيرها في الموقف الحاسم عندما يأمر الضابط الإسرائيلي "يعقوب" بنسف القرية العربية إذا لم تُسلِّم الفدائيين فيتقدم الضابط الإسرائيلي "الحر" سلامسكي معترضًا في غضبٍ وثورةٍ على أمر قائده يعقوب، ومعه ضابط إسرائيلي آخر "حر" كذلك اسمه سعد هارون من يهود فلسطين القدامى يؤيد معارضة سلامسكي في التعبير عن رفضه لأمر الضابط يعقوب بنسف القرية العربية.

 

في هذه اللحظة نفسها والشرقاوي يصور لنا الأصوات "الحرة" في إسرائيل تعارض وتمنع "الذبح" و"النسف" و"القتل" وتبدو منتصرةً على التيار المعادي للعرب، في هذه اللحظة بالذات يدخل الفدائي الفلسطيني "أبو حمدان" بالمفرقعات وبخدعةٍ ساذجةٍٍ يستطيع أن يقنع الفرقة العسكرية الإسرائيلية، الطيبة الإنسانية، بالالتفاف حول صندوق المفرقعات فينفجر وتقتل الفرقة العسكرية كلها.. ويُضاء المسرح ونرى الفرقة الإسرائيلية "الإنسانية" جثثًا مبعثرةً على الأرض أشلاء للأصوات الإسرائيلية "الحرة" التي قتلها الفدائي الفلسطيني!