سلامة أحمد سلامة

قد يكون مفهومًا لماذا تعمل واشنطن وتل أبيب بكل الوسائل الممكنة على قطع آخر الخيوط التي تربط بين الشعب الفلسطيني في كلٍّ من الضفة وغزة, ولكن غير المفهوم أن تنساق أطرافٌ عربيةٌ وراء السياسات الأمريكية- الصهيونية نفسها, وتقف مكتوفةَ الأيدي أمام مشهد الانتحار الفلسطيني بعد أن رفض أبو مازن اقتراحَ وزراء الخارجية العرب بإجراء محادثاتٍ مع مشعل, وهو يعلم أنه يسقط بذلك تحت رحمة أولمرت وبوش، ولن يحصل على شيء في النهاية!!
لا يوجد شكٌّ في أن أمريكا سعَت منذ اللحظة التي حصلت فيها حماس على أغلبية برلمانية إلى وقيعة تفضي إلى الصدام بين الفريقين، وفي التقرير السرِّي الذي كتبه الفارو دي سوتو- مبعوث الأمم المتحدة في المنطقة، قبل نهاية مهمته أوائل هذا الشهر, وتسرَّبت تفاصيله إلى صحيفة (الجارديان) البريطانية- قال: إن الحكومة الأمريكية كانت مقتنعةً بأن المقاطعة الدولية والعُزلة المفروضة على حكومة حماس سوف تدفعها إلى التنازلات المطلوبة لقبول الشروط الصهيونية الأمريكية, وفي مقدمتها الاعتراف بالكيان الصهيوني ونزع أسلحة الفصائل ووقف العنف.
ونقل دي سوتو عن المبعوث الأمريكي دايتون أنه كان سعيدًا جدًّا بأي قتال ينشب بين أنصار فتح وحماس, ويقرر دي سوتو أن هذه السياسة التي ضغطت أمريكا بكل قوة لتنفيذها باءت بالفشل؛ بسبب قصر نظرها.
ويبدو واضحًا من تصريحات رايس وأولمرت أخيرًا أن الخطة الأمريكية- الصهيونية تسير حثيثًا نحو إحكامِ الخِناق على غزة, لإثارة القلاقل ضد هنية وحكومته المقالة, وليس من المتوقَّع أن تنجح هذه السياسة، بل الأرجح أن تتصاعد وتيرة العنف في القطاع والضفة, ليس بين الفلسطينيين وإسرائيل, ولكن بين الفلسطينيين وبعضهم بعضًا, بعد أن سقطت الخطوط الحمراء وتكسَّرت النصال على النصال في صدور الأهل والأقارب والجيران.
واقع الأمر أن مواقف القيادات العربية الغامضة والمتذبذبة هي التي أفضت إلى اشتعال الفتنة بين فتح وحماس, ثم تأتي مثل هذه التصريحات لتصبَّ الزيت على النار, وخصوصًا بعد أن سحبت مصر وفدَها الأمني في غزة, وبات واضحًا انحياز مصر لفتح والرئيس عباس, وهو ما لن يمكِّنَها من لعب دور وساطة مُجدية في خضمِّ مشاعر العداء المتأجِّجة بين الفصيلين.
إن الذين ينظرون إلى المشكلة مدفوعين بمخاوف ساذجة مصطنعة من احتمال قيام نظام إسلامي على حدود مصر, يبحثون في الحقيقة عن قناعٍ زائفٍ لممالأة السياسات الأمريكية- الصهيونية، ويهوِّنون من خطورة الفصل الجغرافي والسياسي الذي وقَع, والذي لن يكون فيه غالبٌ ولا مغلوبٌ إلا لمصلحة الصهاينة.
فإذا لم يكن أمام مصر خيار آخر لموقف موضوعي متوازن بين الفريقَين يمكِّنها من القيام بدور إيجابي تصالحي فالأفضل فعلاً أن ترفع يدها نهائيًّا, وتتركها لأهلها الذين هم أدرى بشعابها.
----------
* نقلاً عن جريدة (الأهرام) بتاريخ الخميس 21/6/2007م.