لقد كشف تلاحق الأحداث على الساحة العربية خلال الآونة الأخيرة النقاب عن الوجه القبيح للأنظمة العربية التي أدمنت الذل والمهانة والركوب في ذيل القطار الغربي الذي يقوده الإجرام الأمريكي والصهاينة؛ ليقوموا بتنفيذ ما يُطلب منهم بالحرف الواحد، رافعين شعار السمع والطاعة العمياء للأسياد، ضاربين بالأمن القومي للأمة ومستقبلها عرض الحائط، وذلك في مقابل مساعدة الأمريكان لهم في إنقاذ أنظمتهم من بعبع دولة الإخوان المزعومة، والتي من وجهة نظرهم ستنطلق من مصر والأردن وفلسطين لتكون نواةً للخلافة الإسلامية.

 

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف أصبحوا على استعداد للتفريط في الغالي والنفيس، حتى لو كان هذا الثمن القدس أو فلسطين بأكملها أو دماء الأبرياء من أبناء شعوبهم المقهورة، وليس موقف الملك فاروق من قضية فلسطين ببعيد عن قناعتهم؛ حيث أكد للمقرَّبين منه أن احتلال اليهود لفلسطين واستيلاءهم عليها أهون عنده من تحرير الإخوان لها!!

 

واسمحوا لي أن نقترب بزوم الواقع والحقائق إلى المشهد الفلسطيني، فمنذ تولت حماس الحكم في فلسطين عن طريق صناديق الاقتراع ساد الأنظمة العربية- خاصةً دول الجوار- وأتباعهم من الأمريكان والصهاينة حالةٌ من الفزع والرعب، متوهمين قيام نواة دولة الإخوان، خاصةً بعد فوز الإخوان في مصر بـ20% من مقاعد البرلمان، وقد ترتب على ذلك اتفاقٌ "سريٌّ شيطانيٌّ" يستهدف استئصال الحركة الإسلامية من المشهد السياسي في الدول الثلاثة مصر وفلسطين والأردن، وبالفعل بادر النظام المصري كعادته بالبداية، فقد قام بإدخال تعديلات هستيرية علي الدستور المصري من أجل اغتيال الإخوان سياسيًّا، وقنَّن ذلك بصورة لم يسبِق لها مثيلٌ.

 

وتواكَب ذلك مع إعلان النظام عليهم حربًا لا هوادة فيها، مرةً بالإحالة للمحاكم العسكرية، ومرةً أخرى بتجفيف المنابع المالية لهم، عن طريق مصادرة الأموال، وإغلاق الشركات وإلصاق التهم بهم، واعتقال المئات من كوادرها.

 

وعلى الجانب الآخر قام النظام الأردني- الذي عُرف عنه استيعاب الحركة الإسلامية بل والاستعانة برموزها في حقائب الحكومات المختلفة بصورة متتالية- بتغيير سياسته 180 درجة مع جماعة الإخوان، ودخل في مواجهة صريحة تنوَّعت وسائلها بين اعتقال الرموز ومصادرة المقرَّات، والإطاحة بكل أشكال تكتلاتهم السياسية، وذلك في ظل حرب إعلامية عالمية على فكرة الإسلام السياسي صنعتها آلة الإعلام الصهيونية.

 

تصفية حماس

أما المشهد الفلسطيني فكان أكثر ضراوةً ودمويةً، فمنذ تولي حماس الحكومة أعلنت الحكومات الغربية حصارًا اقتصاديًّا، استهدف تجويع الشعب الفلسطيني، ولكن كان الشعب الفلسطيني حديديًّا في ملحمة الصبر والتمسك بطريق المقاومة، فيما عدا قلة كشفتها وقائع الأحداث، ولكن لم يطُل كثيرًا صبر محور الشر الثلاثي العربي والصهيوني والأمريكي، فلم يجدوا أمامهم سوى تصدير الفتنة وإشعالها بين أبناء الشعب الفلسطيني، عن طريق العملاء في حركة فتح، وعلى رأسهم دحلان وأبو مازن والرجوب، الذين جعلوا من لغة الرصاص وسيل الدماء لغةً رسميةً في الشارع الفلسطيني؛ مما دفع حركة حماس للجوء إلى النظام المصري من أجل وقف نزيف الدم، لكن عادوا بخفَّي حنين طبقًا لتصريحات بعض قيادات حماس، خاصةً بعد علمهم بقيام مصر بتدريب قوات الحرس الرئاسي للنَّيل منهم؛ مما اضطَّرَّ قيادات حماس للجوء للنظام السعودي، وكان اتفاق مكة الذي دمَّرته آليات حرس الرئاسة والخونة من العملاء، ثم ازداد المشهد دمويةً، وتوالت خروقات الاتفاقيات المتتالية، وبدأت تظهر ثمار التدريبات المصرية للقوات الفتحوية على أرض الواقع الفلسطيني، ومع ازدياد ضراوة الاعتداءات الفتحوية اضطُّرَّ القساميون إلى تطهير غزة من العملاء وإنقاذها من بحر الدم الذي غرقت فيه، ولا يفتوني في هذا المشهد استنكار صبيانية بعض شباب القسام في التعامل مع مقرات الرئاسة، وقد علمت أن بعض قيادات حماس أنكروا على شبابهم ما فعلوه من تجاوزات.

 

ماذا بعد

لكن مع سيطرة حماس على غزة خرج أبو مازن ليعلن على العالم عدم شرعية حكومة أبو العبد هنية (إسماعيل هنية)، بل سار على الدرب المصري وأعلن أن حماس جماعة محظورة!!

 

ثم اكتمل تنفيذ مخطط محور الشر بتشكيل حكومة قامت على تعطيل الدستور الفلسطيني بقرار رئاسي، ومن ثَمَّ توالَى تأييد الحكومات الغربية والعربية- خاصة دول الجوار- للحكومة الجديدة غير الدستورية، ثم تدفَّقت الوعود والأموال على رجال فتح المغاوير؛ ليكتبوا نهايةً مأساويةً لحركة ناضلت من أجل التحرير.

 

ثم تزداد فصول المهزلة مأساويةً بحملة إعلامية تشويهية على الصحف المصرية الحكومية والأردنية- وبالطبع الصهيونية والأمريكية- تستهدف اغتيال مكانة حماس في الشارع العربي، وذلك في الوقت الذي تتحرك فيه الآليات العسكرية للعدو الصهيوني لفرض حصار مشدّد على غزة من أجل التهام الفريسة بعد إضعاف قواها.

 

وأرى أن على الشعوب العربية دورًا أساسيًّا لإفساد هذا المخطط الشيطاني الذي يقوم على تنفيذه دول الجوار العربي لفلسطين، الذين يتوهَّمون- بإيعازٍ صهيونيٍّ أمريكيٍّ- قيامَ بذرة دولة إسلامية، فعليهم أن يقفوا حائط صدٍّ قبل تصفية القضية الفلسطينية وتسليم القدس لأحفاد القردة والخنازير.

 

فيا أحرار العرب والمسلمين، هبوا قبل فوات الأوان، فإذا سقط مشروع المقاومة في الأمة سيلتَهِم أعداؤنا منطقتنا دولةً تلو الأخرى!!