السلطة الوطنية الفلسطينية- المجلس التشريعي..
ردًّا على المرسوم الرئاسي بشأن تعليق العمل بأحكام مواد القانون الأساسي المعدَّل أصدر رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية مرسومًا رئاسيًّا بشأن تعليق العمل بأحكام مواد القانون الأساسي المعدل بتاريخ 15/6/2007م، وقد جاء المرسوم الرئاسي على النحو: (رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التنفيذية.. رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.. القائد الأعلى للقوات الفلسطينية.. استنادًا إلى أحكام الباب السابع من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م وتعديلاته، وبعد الاطلاع على المرسوم بتاريخ 14/6/2007 بإعلان حالة الطوارئ وبناءً على الصلاحيات المخوَّلة لنا، وتحقيقًا للمصلحة العامة.. رسمنا بما هو آتٍ: مادة (1): تعليق العمل بأحكام المواد (65، 66، 67) من القانون الأساسي لسنة 2003م.
مادة (2): على الجهات المختصة كافة- كلٌّ فيما يخصه- تنفيذ أحكام هذا المرسوم ويُعمل به من تاريخ صدوره، وينشر في الجريدة الرسمية.
وبالتأمل في أسانيد ومواد وطبيعة المرسوم الرئاسي المذكور أعلاه ومضاهاتها بالقواعد والأحكام والأصول الدستورية الواردة في القانون الأساسي المعدل لعام 2003 وتعديلاته تفيد بما هو آتٍ:
أولاً: لا نتردَّد في القول إننا نقف أمام مرسوم رئاسي يمثِّل سابقةً هي الأخطر من نوعها في تاريخ العمل التشريعي في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية؛ وذلك لأنه كفيل بأن يؤدي إلى انهيار النظام الدستوري بأكمله في فلسطين، ولأول مرة ستوثّق الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) من خلال هذا المرسوم الرئاسي وللأجيال القادمة بأن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الحالي السيد محمود عباس قد سجَّل انعطافًا خطيرًا باتجاه أقصى درجات الحكم الشمولي في عهده، وأنه قد تجرَّأ على القانون الأساسي الفلسطيني، وهو التشريع الأسمى، بما يحمل في طياته من قيم ومبادئ وأحكام دستورية سامية، وأنه قد رسم طريق النهاية لمستقبل الديمقراطية والحكم الصالح في فلطسين، وأن الأمر قد وصَلَ إلى حدِّ مرحلة الانقلاب الدستوري!!
ثانيًا: من الواضح لدينا أن رئيس السلطة الوطنية يعتقد أنه يستند في مرسومه هذا إلى أحكام نص المادة (113) من القانون الأساسي المعدل، الواردة في الباب السابع، والتي جاءت على النحو التالي: "لا يجوز حل المجلس التشريعي الفلسطيني أو تعطيله خلال فترة حالة الطوارئ أو تعليق أحكام هذا الباب"، بمعنى أنه إذا كان النص الدستوري المذكور يقول بأنه لا يجوز تعليق أحكام هذا الباب (أي الباب السابع) خلال فترة حالة الطوارئ، فإن مفهوم المخالفة للنص المذكور يعني أنه يجوز تعليق جميع أبواب القانون الأساسي المعدل لعام 2003م وتعديلاته باستثناء أحكام الباب السابع!!
وعلى هذا الأساس قام رئيس السلطة الوطنية بتعليق العمل بأحكام المواد (65، 66، 67) الواردة في الباب الخامس من القانون الأساسي المعدل!! وبالمناسبة فإن بعض الفتاوى السلطانية التي أصبحت ثقافةً رائجةً في وطننا تسير على هدي هذا التفسير لبناء تفسير آخر لذات النص الدستوري، ومفاده أنه إذا كان النص المذكور يقول إنه لا يجوز حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني خلال فترة حالة الطوارئ فإن مفهوم المخالفة يعني أنه يجوز حلّ المجلس التشريعي في الظروف والأحوال العادية!!
ثالثًا: قبل الدخول في نقاش هذه التفسيرات الفريدة من نوعها لأحكام نص المادة (113) من القانون الأساسي المعدل نطرح التساؤل التالي: على فرض صحة التفسير مَن الذي أعطى رئيس السلطة الوطنية الصلاحية الدستورية للقيام بتعليق العمل بمواد القانون الأساسي، علمًا بأن النص الدستوري المذكور لا يشير لا من قريب ولا من بعيد بأن صاحب هذه الصلاحية الدستورية المفترضة هو رئيس السلطة الوطنية؟ ولا أدل على ذلك من أن نصوص المواد (38)، (63) من القانون الأساسي المعدل- والتي لم يعلقها الرئيس- تؤكد أن صلاحياته حصرية في المجال الدستوري وليس من بينها هذه الصلاحية المفترضة!! ثم جاء القانون الأساسي الفلسطيني عن طريق المنحة من رئيس السلطة الوطنية لرعاياه؛ حتى يستطيع أن يستردَّها أو أن يعلِّقَها في أحوال معينة باسم المصلحة العامة!!
رابعًا: إن أصول التفسير القانوني السليم للكشف عن إرادة المشرّع الدستوري- في مثل هذه الأحوال- إنما تنطلق من قاعدة عامة مستقرة في الفقه القانوني، مفادها أن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وعلى هذا الهدي نقول: إن المشرّع الدستوري قد قصد فيما ذهب إليه في المادة 113 من القانون الأساسي المعدل التأكيد على أنه لا يحق لأيِّ أحد كان المساسَ بالمجلس التشريعي الفلسطيني حتى في فترة إعلان حالة الطوارئ، وذلك من باب الحرص على أهمية وضرورة انتظام سير عمل المؤسسة التشريعية في جميع الظروف والأحوال، كما أنه لا يحق لأيِّ أحد كان تعليق الضمانات والحقوق التي كفلها المشرّع الدستوري في الباب السابع خلال إعلان حالة الطوارئ، وذلك أيضًا من باب الحرص والأهمية.
أما أن يُفسَّر حرص المشرّع الدستوري على بقاء المؤسسة التشريعية قائمةً في جميع الظروف والأحوال، وحرصه أيضًا على استمرار الضمانات وضررة الحفاظ على قدرٍ من الحقوق والحريات الأساسية للمواطن خلاف فترة إعلان حالة الطوارئ على أنه تنازل واسع ومجاني من المشرّع الدستوري عن جميع القواعد والأحكام والنصوص والضوابط والأصول الدستورية التي جاء بها القانون الأساسي في ذات الوقت.. فهذا قول لا يقبله عقل ومنطق قانوني ولا يستقيم أبدًا مع أصول التفسير القانوني السليم وإرادة المشرِّع الدستوري.
خامسًا: إن التفسير الافتراضي الغريب حقًّا لنص المادة (113) من القانون الأساسي المعدل على أنها تعني إمكانية تعليق أحكام جميع أبواب القانون الأساسي المعدل خلال إعلان حالة الطوارئ باستثناء الباب السابع الذي ينظم أحكام حالة الطوارئ سيؤدي حتمًا إلى نتائج غاية في الغرابة والشذوذ، وإليكم بعض هذه النماذج:
1- تؤكد المادة الخامسة من القانون الساسي المعدل الواردة في الباب الأول على أن (نظام الحكم) في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية، وبالتالي هل يملك رئيس السلطة الوطنية صلاحية دستورية تخوِّله تعليق نظام الحكم في فلسطين خلال حالة الطوارئ؟ إذا كان الأمر كذلك فما هو البديل المقترح في مثل هذه الأحوال؟!
2- تؤكد المادة السادسة من القانون الأساسي المعدل الواردة في الباب الأول على أن مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأفراد، وعليه فإذا كان رئيس السلطة الوطنية يمتلك صلاحيةً دستوريةً تخوّله تعليق أحكام هذا النص الدستوري فما هو البديل المقترح في مثل هذه الأحوال؟!
3- تنص المادة التاسعة من القانون الأساسي المعدل الواردة في الباب الثاني على أن الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء، لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة، فإذا كان رئيس السلطة الوطنية يمتلك صلاحية تعليق هذا النص الدستوري خلال فترة طوارئ فما هو البديل المقترح؟!
سادسًا وأخيرًا: فقد أكدت المادة الأولى من المرسوم الرئاسي سالف الذكر على تعليق العمل بأحكام ثلاث مواد من القانون الأساسي المعدل، منها المادة (67) من القانون الأساسي، وبالرجوع إلى النص الدستوري المذكور نجد أنه يتناول (اليمين الدستورية) التي يتوجب على رئيس الوزراء وأعضاء حكومته تأديتها أمام رئيس السلطة الوطنية وقبل مباشرة أعمالهم، وعليه فإذا كان النص الدستوري المذكور- أي المادة (67) التي تم تعليقها هي التي أكدت على وجوب أن يؤدي رئيس الوزراء وأعضاء حكومته اليمين الدستورية المنصوص عليها في المادة (35) من القانون الأساسي، وهي ذات اليمين الدستورية التي يؤديها رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بإحالة واضحة وصريحة من المادة (67) إلى المادة (35) من القانون الساسي.. فإن تعليق أحكام نص المادة (67) بأكملها يعني حتمًا تعليق الإحالة الواردة في هذه المادة إلى المادة (35) من القانون الأساسي، وبالنتيجة فإنه قد أصبح من المستحيل دستوريًّا على رئيس وأعضاء الحكومة الجديدة أداء اليمين الدستورية المنصوص عليها في المادة (35) من القانون الأساسي المعدل أمام رئيس السلطة الوطنية، وذلك بعد أن تم تعليق النص الوحيد في القانون الأساسي الذي يؤكد على هذه الإحالة لإمكانية أداء اليمين الدستورية!!
الدكتور أحمد بحر
رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني بالإنابة