أحمد سبيع

 

الأرقام القياسية التي حصل عليها مرشحو الحزب الوطني في انتخابات مجلس الشورى التي جرت يوم الإثنين 11/6/2007م ستكون علامةً فاصلةً ليس في تاريخ هذا المجلس فقط وإنما في تاريخ الحياة السياسية المصرية بشكلٍ عام.

 

ولذلك كانت هذه الأرقام محل سؤال وجهه لي أحد الأصدقاء عن سرِّ هذه الأرقام التي تجاوزت الـ170 ألف صوت، بل و190 ألف صوت في دائرة واحدة، وهو ما فاق بكثيرٍ ما حصل عليه غالبية مرشحي رئاسة الجمهورية، في الانتخابات الماضية، ليس هذا فحسب بل إنها أيضًا فاقت أي أرقامٍ حصل عليها مرشحو البرلمان في كل دوراته، بل فاقت أيضًا الأرقام التي حصل عليها نفس المرشحين من 6 سنوات لنفس المجلس.

 

ولعل ذلك طرح في ذهني العديد من التساؤلات عن السرِّ في هذه الأرقام القياسية، وهل يرجع الأمر إلى الشعبية الجارفة للمرشحين أم أن هناك سرًّا آخر، وبعد دراسة كل الأوضاع بشكلٍ دقيقٍ توصلت إلى السر الكبير الذي يقف وراء هذا الأرقام الجينيسية- نسبة إلى موسوعة "جينيس"- وهو عدم ثقة المواطنين في القضاء الذي أشرف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية منذ عام 2000م؛ حيث أشرف على انتخابات مجلس الشعب عام 2000م والتجديد النصفي للشورى عام 2003م ثم انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2005 وانتخابات مجلس الشعب عام 2005م، وفي كل هذه الانتخابات لم تكن أرقام المرشحين بمَن فيهم على رئاسة الجمهورية بهذا الشكل، وأغلب الظن أن الناخبين في هذه الانتخابات لم تكن لديهم ثقة في القضاة، وكانوا يخافون أن يقوموا بتزوير أصواتهم وتسويد البطاقات الانتخابية، لمصلحة مرشحين بعينهم؛ ولذلك كانوا يقاطعون الانتخابات، ولم يقفوا أمام اللجان مصرين على دخولها رغم المنع الأمني، ولم يدخلوا اللجان قفزًا من على أسوار المدارس، وهو ما اختلف في انتخابات الإثنين الماضي؛ حيث لم يكن في اللجان موضع قدمٍ من كثرة الزحام بعد أن اكتشف المواطنون أن القضاة ليسوا موجودين، وأن الموظفين الشرفاء الذين لا يخافون من الحكومة ولا من الأمن هم الذين يشرفون على هذه الانتخابات.

 

بالطبع العكس صحيح.. فما حدث يوم الإثنين كان فضيحة بكافة المقاييس، وطوال أكثر من 12 عامًا تابعتُ فيها انتخابات برلمانية ورئاسية ومحلية، لم أجد اللجان كما وجدتها خاليةً من الناخبين والمرشحين على حدٍّ سواء، وفي إحدى اللجان المرشح فيها قيادة كبيرة بالحزب الوطني لجأ التليفزيون المصري إلى أنصار المرشح وإلى مواطنين في الشارع ليقفوا في اللجان حتى يكون هناك عدد يسمح بالتصوير وحتى لا تكون اللجان خاليةً من الناخبين، وبعد انتهاء التصوير خلت اللجان إلا من الموظفين الذين زوروا الانتخابات بشكلٍ يحمل كثيرًا من علامات الغباء والفضيحة السياسية، وكم كان المشهد مؤثرًا ومضحكًا في نفس الوقت عندما دخلتُ إحدى اللجان وكان رئيس اللجنة- موظف- جالسًا وممسكًا في يده ساندوتش فول وخالعًا حذاءه، وعندما دخل ضابط الأمن هبَّ واقفًا ورفع يده مقدمًا التحيةَ للضابط، وفي لجنةٍ أخرى دخل أحد الصحفيين ووجدها بلا رئيس لجنة فسأل عنه فقال له أحد المندوبين إنه ذهب إلى دورة المياه وترك اللجنة لنا أمانة!

 

في المقابل وفي انتخابات 2005م قام رئيس اللجنة وكان قاضيًا بطرد أحد الضباط (عميد شرطة) من إحدى لجان الدقهلية عندما وجده يُرهب الناخبين، وفي الغربية عندما أراد رئيس اللجنة أن يذهب لدورة المياه قام بإخراج كل الموظفين الآخرين والمندوبين وأغلق الغرفة التي بها اللجنة بالمفتاح حتى لا يتلاعب أحدٌ في الصناديق، وعمار يا مصر عمار!!

-------------

* صحفي مصري