القرارات السياسية تنتج عن تحليل سياسي يشمل "مدخلات وموازين قوى وتنبؤات للنتائج فضلاً عن الرسالة المتضمنة لأي قرار سياسي"، وبالتالي فالاجتهاد السياسي ليس فيه صحيح بالمطلق أو خطأ بالمطلق- بمعنى- أن الاجتهاد السياسي يحتمل وجهات نظر ويحتمل الصواب النسبي والخطأ النسبي.
سألني بعض الصحفيين ماذا كسب الإخوان والوطن بخوض انتخابات الشورى في ظل البيئة السياسية الداخلية من قمعٍ وقهرٍ لإرادة الجماهير ومحاولة تغييب الشعب المصري عن دوره في صناعة قراره ومصيره ومستقبله؟.

 

وسألني بعضهم: ألم تساهم مشاركة الإخوان في الانتخابات بعد التعديلات الدستورية في إضفاء الشرعية على هذه التعديلات؟.

 

ألم يكن الأولى بالإخوان أن يمتنعوا عن المشاركة لفضح هذا النظام؟

أجيب أن للإخوان أهدافًا في الانتخابات تخص مصر وتخصهم كتيار سياسي وهي:

1)  رفض الاستبداد وإعلان التمرد السياسي على تزوير إرادة الأمة، وفضح التزوير والقائمين عليه فلو لم يشارك الإخوان ما احتاج النظام إلى التزوير ولخرجت النتائج نزيهةً ولزين نفسه أمام الخارج، وإن الانتخابات سارت في جوٍّ ديمقراطي ولتم التصويت في صناديق زجاجية شفافة ولتباهى بذلك النظام.

 

لكن مشاركة الإخوان جعلته يمعن في التزوير المفضوح بما جعله يظهر أمام العالم كله أنه نظام لا يملك القدرة على التنافس السياسي وأن (التزوير هو الحل).

 

مما أدَّى إلى تزايد الاحتقان في الشارع المصري ضد النظام، فالشارع المصري انتقل الآن؛ مما يُسمى بالتصويت العقابي إلى الاحتقان السياسي (والدليل عدد الإضرابات التي حدثت خلال الآونة الأخيرة) 222 إضرابًا عماليًّا حتى المعلمين ومصححي الثانوية وغيرهم.

 

2)  مشاركة الإخوان جعل النظام لا يحترم القانون وأحكام القضاء.

دوائر كسب الإخوان فيها 16 حكمًا قضائيًّا من محكمة القضاء الإداري بوجوب إدراج أسمائهم في كشوف المرشحين وإلغاء القرار السلبي بامتناع الجهة الإدارية عن إدراج أسمائهم وطعن النظام وحصل الإخوان على حكم المحكمة الإدارية العليا ولم ينفذ فأصبح النظام خارج القانون.

 

أقول بنزول الإخوان للانتخابات أدخلوا النظام إلى المحكمة وجعلوا النظام يُحاكم أمام شعبه بالتزوير بالبلطجة وعدم تنفيذ أحكام القضاء بالاعتقالات.

 

3)  نزول الإخوان في الانتخابات رسالة أن نشاطهم غير مجرم وأن شعارهم قانوني ودستوري فعندما ظن النظام أنه بالتعديلات الدستورية أنه يُجرِّم نشاط الإخوان، وأن شعارهم محظور وممنوع ومجرم وكان رد الإخوان أننا نستمد شرعيتنا من الجماهير العريضة ومن الشارع وبيننا وبينكم الشعب، فالشعب مصدر السلطات.

 

4)  دفعت الانتخابات الكثير من الإخوان إلى الابتكار والتطوير في طرق الدعاية وتفوق إعلام الإخوان برغم ضعف الإمكانيات على إعلام النظام؛ وذلك بفضل المصداقية والإيمان بالرسالة.

 

5)  أراد الإخوان أن يوجهوا رسالةً إلى النظام أن الإخوان لا يراهنون على السلامة البدنية- الخوف من الاعتقالات- على فكرة الاعتقالات لها فوائد أيضًا- فضح الظالم- التضامن مع المظلوم- كشف الاستبداد- إبراز رموز- تعاطف شعبي- تواصل مع القوى السياسية وغير ذلك.

 

6)  تمسك الإخوان بشعار (الإسلام هو الحل) ليس لمصلحة الإخوان إنما لمصلحة الوطن- فالإسلام هوية الأمة والمكون الرئيسي للوجدان العربي والمصري وتستشعر الشعوب العربية والمصرية اليوم الخطر على هويتها ومرجعيتها- ونقصد بالإسلام الحضاري- الذي لا إكراهَ فيه، إسلام العدل والحرية والكرامة والعزة والجهاد ضد المشروع الصهيو أمريكي- إسلام المقاومة الذي لا يعرف المهادنة ولا المداهنة ولا التنازل عن الأرض والمقدسات.

 

7)  الإخوان ليس لهم مصالح خاصة إنما يؤمنون أنه لا يتم تغيير في مصر إلا عبر الشعب، فالتغيير لا بد أن يكون (شعبي لا نخبوي) (قاعدي لا قومي) (متدرج لا لحظي)، وهذا لا يتم إلا إذا تفاعلت الجماهير وانحازت إلى الإيجابية لا السلبية وعدم المشاركة في الانتخابات خدمةً للنظام الذي يمارسه بمنهجية (تكريس اليأس والفقر).

 

اليأس حتى لا تشارك الجماهير في اختيار الحاكم.

والفقر حتى لا ينشغل المواطن بغير لقمة العيش التي لا يجدها حتى الآن.

الإخوان يؤمنون بالجهاد السياسي المثمر- فهم ليسوا أصحاب مصالح شخصية فلم نجد منهم أحدًا رشَّح نفسه في مقعدٍ نيابي وحوَّل هذا المقعد إلى (مشروع استثماري مربح).

 

فلم نر منهم نواب القروض ولا نواب مديحة ولا نواب C.D ولا نواب القرب ولا غير ذلك.

 

الإخوان يدفعون ثمن الاعتقالات حتى يدخل نواب من الشعب يعبرون عن الشعب عن أحلامه وآماله وآلامه.

 

فإن تحقق لهم الفوز خدموا الوطن وإن لم يتحقق لهم فضحوا النظام وخدموا في موقع آخر فنحن نبتغي الثواب من الله والأجر من الرحمن- نجتهد نصيب ونخطئ- نبذل ونضحي من أجل أوطاننا حتى يأتي يوم تسود فيه الحرية ويتحرر فيه الوطن ويكون المواطن مواطنًا لا أجيرًا.