في مثل هذه الأيام ومنذ ثمانية عشر عامًا أي في يونيو 1989م.. تم ترشيحي للانتخابات في التجديد النصفي لمجلس الشورى.. وفي نفس الدائرة التي ترشَّح فيها المهندس سيد صالح أي دائرة مركز إمبابة؛ حيث فيها بلدتي كرداسة.. ولعل أبرز معالم هذه الانتخابات البعيدة:

أن مرحلة الدعاية والإعلان كانت شبه حرة.. فلم يكن هناك تمزيق أو إتلاف للدعاية، أما المسيرات أو الجولات.. فكانت في عمومها تتم في هدوء.. إلا ما ندر؛ حيث داهمتنا جحافل من قوات الأمن في شوارع مدينة إمبابة، واقتادت عددًا من المؤيدين إلى مركز الشرطة.. ولم يمكثوا هناك إلا ساعات وتم إخلاء سبيلهم.

 

وفيما عدا ذلك.. سارت مرحلة عرض المرشح على جمهور الناخبين في جميع قرى الدائرة بصورةٍ معقولة.. وهذا ما يتسق ومعايير الانتخابات الشريفة.

 

وكانت مشكلة المشاكل لكل الانتخابات في ذلك الحين.. وحتى الآن تتمثل في إدارة يوم الانتخاب نفسه.. فلم يكن هناك إشراف قضائي بأي شكلٍ من الأشكال.. وكانت الإدارة (أي الأمن) تختار لجنة الانتخاب.. وغالبًا يكونون من الموظفين المشهود لهم بصفاتٍ معينةٍ لا تمانع في تنفيذ ما يُملى عليهم من توجيهات.. ويكون رهن الإشارة خاصةً في مجال التزوير أو "التسويد"، وهذا ما تم معي بالفعل.. فالدائرة دائرتي.. وكنتُ طوال فترة الدعاية أتحرك بين بلدانها المتعددة والكثيرة.. وأجد كل ترحيبٍ من جمهورها ثم إن لنا قواعد متينة من شباب الإخوان في كل مكان.. وكل بلدة.. وكل شياخة.. وهؤلاء لهم تأثيرهم في أماكن تواجدهم ولهم حضورهم ويتميزون بصفاتٍ وأخلاقية راقية تجعل لهم القبول والحب.. عند الناس..

كل هذا شيء.. وما تمَّ يوم الانتخاب شيء آخر تصوروا..!!

 

كنتُ أقوم بجولةٍ على بعض اللجان.. وفي بلدة "كفر برك الخيام" بجوار بلدة ناهيا.. وفي لجنتها الرئيسية.. وفي حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر.. أُفاجأ بشيء مذهلٍ أفقدني صوابي.. عندما سألتُ رئيس اللجنة وبجواره شيخ البلد.. وكانوا لا يعرفونني.. وأنا أسألهم كيف الحال؟! فكان الرد أننا قد انتهينا من كل شيء والحمد لله.. وحضر الناس كلهم كلهم وانتهت العملية الانتخابية.. أي بعبارة واحدة "تم التسويد بالكامل".

 

هل هذا معقول.. وهل هذه انتخابات.. وهل هكذا تُزوَّر إرادة الناخبين.. وكذلك تُزيف إرادة الأمة.. ثم تستمر الأحوال هكذا عقودًا وعقودًا.. وتكون الحياة السياسية بهذا الزيف والتزوير منذ بداية عهد الثورة المباركة.. وهل يؤدي ذلك إلى إصلاحٍ حقيقي.. أم أنه يُكرِّس الفساد.. ويُعمِّق من حكم الفرد.. ويصادر آمال الأمة في الحرية.. والتقدم.. والنهضة الحقيقية التي تنتشلها من كبوتها وتخلفها عن ركب الأمم الناهضة.

 

ولم تكن لجنة بلدة "كفر برك الخيام" إلا نموذجًا واحدًا مما عاينته بعيني رأسي.. وصدمتُ به.. ثم كانت النتيجة.. عندما حضرتُ مع جمهورٍ غفيرٍ من الأهل والأحباب.. أن يعلن السادة المحترمون من شرفاء مركز إمبابة نجاح منافسي من الحزب الوطني.. رغم أنه وبكل تأكيد لم يذهب إلى صناديق الانتخاب في كل الدائرة من أقصاها إلى أقصاها.. إلا الذين اختاروا مرشح "الإخوان" وما أكثرهم.. لو كان في الأمر نزاهة وشفافية وضمير وخلق!!

 

يذكر أحد الإخوة الكبار وكان في حديثٍ مع أحد الأتراك.. وفي ثنايا الحديث عن الانتخابات عندهم.. وهل تتم بنزاهة أم تلعب فيها أصابع التزوير والمزورين؟! فما كان من الأخ التركي إلا أن استغرب ذلك.. بل ولم يفهم معنى التزوير أساسًا؛ حيث إنه من المفردات التي تتميز بها فقط بلادنا المحروسة.

 

ذلك كان بالأمس في عام 1989م.

أما اليوم.. وفي عام 2007م، فإن الأمر قد اختلف في الشكل والمضمون واتخذت عملية المواجهة والإقصاء أبعادًا جديدةً وخبراتٍ مبتكرةً.. وأصبح الهدف هو المنع والإبعاد.. لكل مَن يشعر أنه يُنتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين أو حتى يحمل أفكارها أو يكون له السمت المميز الذي يتوافق مع سمتهم وأخلاقهم وسلوكهم في واقع الحياة.

 

ورغم أن الإخوان قد أعلنوا- وهم صادقون- بإذن الله.. أنهم سيشاركون في هذه الانتخابات "التجديد النصفي" بعددٍ لا يزيد على العشرين مرشحًا، إلا أنه عند فتح باب الترشيح تم المنع القسري والقهري لمحافظاتٍ بعينها.. مثل الإسكندرية والغربية والمنوفية.. وأصبحت مقفولةً على الحزب الوطني أو بعض المستقلين من غير الإخوان.

 

واتخذت في مرحلة التقديم أساليب غريبة مع المرشحين أو وكلائهم.. فمنهم من مُزِّقت ثيابه، ومَن ضرب ضربًا مبرحًا.. ومنهم من احتجز في مكانٍ بالأمن.. وعُومل معاملةً كريمةً ثم إذا به بعد أن يشرب ويأخذ تحيته.. يروح في نومٍ عميقٍ.. لا يفيق منه إلا بعد انتهاء موعد قبول الطلبات.. وهكذا وهكذا.

 

وحتى بعد قبول ترشيح من تقدَّم لم يخل الأمر من مشاكل وعقبات.. نستطيع أن نوجزها في الآتي:

* جرت محاصرة المرشح في بيته.. وانتشر رجال الأمن حوله.. وللعلم فهو يقيم في قرية بسيطة.. يرصدون حركاته وسكناته بما يفهم أنه قد حددت إقامته.. أو أنه سجين في داره أو معتقل.. وهو الذي قد قُبِلَ طلب ترشيحه من الجهات المعنية.. وكنا نظن منذ زمنٍ بعيدٍ أن المرشح بمجرَّد أن يحمل إيصال قبول طلبه.. يحصل على حصانة.. كالتي يتمتع بها عضو البرلمان بالضبط فلا يُعتقل ولا تُصادر حريته... إلخ.

 

بل سمعنا أكثر من ذلك.. بضرب المرشح واعتقاله.. وتمزيق ثيابه.. بل إن عضو مجلس الشعب الذي يتمتع بحصانة.. يتم إيقاف سيارته ويُعتدى عليه بالضرب والسحل.. بعد إهدائه سيلاً من الشتائم والسباب يعف اللسان والقلم عن ذكرها.. وذلك لأن هذا العضو كان هو الوحيد الذي يسير مع المرشح للدعاية له وتعريفه بأهل الدائرة.. بعد أن مُنع وطُورد كل محبيه ومؤيديه من مساندته والسير معه.

 

* تميزت هذه الانتخابات بالمنع الكامل لكل أدوات الدعاية والإعلان التي هي من حق المرشح فلا "لافتات" ولا "ملصقات" أو "بوسترات" فإذا تمَّت هذه المفردات.. فسرعان ما يتم تمزيقها وإتلاف معالمها وتصبح أثرًا بعد عين.. كما يقولون.. ثم وهو الأدهى.. فإنه تتم متابعة الأشخاص القائمين بتعليق أو لصق الدعاية وهم غالبًا ما يكونون من صغار السن والمؤيدين للمرشح، ويصبحون بعد ذلك أرقامًا في قائمة المعتقلين.

 

* ومنذ اليوم الأول بعد انتهاء فترة قبول الترشيحات تمَّت حركة اعتقالات واسعة.. شملت كل الأفراد والمؤثرين في العملية الانتخابية.. وتم تفريغ أغلب البلاد من هذه النوعية من الرجال.. وامتلأت بهم السجون والمعتقلات.. وبلغ عددهم في الجيزة وحدها أكثر من مائتين، وهؤلاء تم أخذهم والقبض عليهم من بيوتهم أو من مكان عملهم أو بالخطف من الشوارع أثناء النهار عيانًا بيانًا.. وآخر ما تفتق عنه الذهن هو اعتقال كل مَن يُصدر له من المرشح توكيلاً ليكون مندوبًا في لجنة الانتخاب.

 

* وأخيرًا..

فإن هذه الممارسات لا تسر.. ولا تدعو للأمل في غدٍ مشرقٍ.. يفك الاحتقان الذي نستشعره في نفوس كل الغيورين على الإصلاح وإطلاق الحريات العامة.. وإنهاء الطوارئ التي كبلتنا منذ ما يقرب من نصف قرن.. والدخول في حالةٍ من الأمن والأمان.. لكل شرائح المجتمع.. ثم إجراء مصالحة وطنية تحقق على الأقل "المواطنة" التي أشار إليها الدستور في تعديلاته الجديدة.

 

إننا نحلم- وسيتحقق بذلك بإذن الله- بالحرية والمشاركة والانطلاقة للجميع، ولا يكون في الساحة حزب واحد يتمتع بكل شيء.. وباقي القوى مهمشة لا دورَ لها في حركة الحياة والمجتمع.

 

نحلم أن يكون الجميع أحرارًا في وطنٍ حرٍّ.

فهل لنا حق الحلم والأمل على الأقل؟.

وفَّق الله الجميع للعمل لخير وطننا العزيز الغالي مصر.