فجأةً قفزتْ فكرة الآخر وخرجت سفاحًا من رحم المجهول تشيعها مظلةٌ من الريبة والشك حول من أخرجها وأوجدها على أرض الواقع ويغذي بذرتها ويرعى عملية إنباتها حتى تحوَّلت إلى غولٍ يُهدد بنيان المجتمع، ولم نسمع عنها حينما كانت الدبابات تحصد الفلسطينيين، ولم نسمع عنها حين ضرب الحصار على العراق وتُوفي أطفاله وأبناؤه، ولم نسمع عنها حين دخلت الدبابات الروسية جروزني وأعملت فيها الفساد، ولكنها خرجت فقط حينما بدأ المد الإسلامي يتصاعد في المنطقة ويزحف بشدة، وبدأت تباشير النصر تتلألأ في الأفق.

 

من المعروف أن الآخر تحت مظلة الإسلام مستأمن على ماله وحرماته ما لم يجاهر المسلمين بالعداء ويساعد المفسدين في الأرض ضدهم، ولا يُحرم أحد من حقوقه حتى أمام القضاء الإسلامي، فكم من حكمٍ في التاريخ قُضي فيه ليهودي ضد مسلم، لم يُظلم أحد، لم يتم تسييس قضية ضد أحد، بل تعرَّض الإسلام منهم لكثيرٍ من الخيانة والغدر، لم يقتل أحد بالشبهة كما تفعل الولايات المتحدة ذات الحضارة والتمدن والتي أساءت لفكرة الآخر بشدة حين أطلقت شعار "مَن ليس معنا فهو علينا"، وليس هناك خيار ثالث فكم قتلت من أبرياء وكم أوقعت من ضحايا في أعراسٍ وفي المنازل والبيوت ظن أؤلئك الأبرياء أن من دخل داره فهو آمن فأتاه الموت من كل مكان، وأحاطت به قذائف النيران بلا ذنبٍ أو جريرة سوى فقط الاشتباه في مهانة شديدة توجه للإنسانية والجنس البشري ولسان حال الأمريكيين يقول وطلقات مدافعهم تدوي بأعلى صوتها "ليس علينا في الأميين سبيل".

 

وفي الشريعة اليهودية التلمودية، وأكرر التلمودية التي تنظر للآخر على أنهم الأغيار لا حرمةَ لهم لا قيمةَ لهم لا ذنبَ على اليهود إن قتلوهم، لا عقابَ ضدهم إذا ما استباحوا أموالهم فقتلوا الأبرياء في صابرا وشاتيلا، بقروا الحوامل في دير ياسين، اختطفوا أعضاء حكومة اختارها شعبها وتحاكمهم وتسجنهم ثم يتحدثون عن الديمقراطية المزعومة فأي نفاقٍ وأي تدليس؟ قاتلهم الله بكل طفلٍ يتموه وكل شيخٍ عذبوه وكل شابٍ قتلوه، وكل بيتٍ دمروه وكل مسجدٍ هدموه، أتوا بأناسٍ من كل أنحاء العالم: الفلاشا من إثيوبيا وإخوانهم من روسيا وآخرون من أوروبا الشرقية لا يجمعهم رباط سوى الدين اليهودي وأساءوا لأصحاب الأرض الحقيقيين عرب 48 واضطهدوهم وأساءوا معاملتهم ومنعوا عنهم حقوقهم، فأين المواطنة أيها الأفاقون؟!.

 

ومحاكم التفتيش التي أفرزتها الشريعة الكاثوليكية تفتش عن عقائد الناس وطقوسهم تعاقبهم على ما تُكنُّ صدورهم وتخرجهم من أرضهم وبيوتهم، وحاليًا تجد شوارع في أيرلندا لا يدخلها كاثوليك وأخرى لا يجرؤ أن يقترب منها بروستانتي رغم أنهم أبناء وطن واحد ودين واحد، وكل ذلك تحت مظلة الحضارة الغربية التي تدعي المساواة والإخاء.

 

والآخر في الديانة العلمانية لا وجودَ له إلا إذا سار خلفهم وانتهج شرعهم واحتكم لأهوائهم، وإلا فالسجون والمعتقلات تفتح أبوابها للمعارضين وتسحل أجسادهم، وكل ذلك من بنات أفكارهم ووليدة حضارتهم.. فأحسن بحضارة جوانتانامو وأبو غريب!!

-----------

* d.hamedanwar@yahoo.com