عارٌ يتحمله جزء من أبناء الشعب المصري ممن باعوا حقوقه في الحرية والكرامة والعزة والاستمتاع بثروات وطنه في مقابل القرب من الحاكم و"شلته" تحت مظلة حزب احتكر الحياة السياسية والاقتصادية في مصر طوال أكثر من ربع قرن!! حيث يجب أن نقرَّ أن الحكم في ظل هذا النظام عاد ملكًا لعصبة تفاوتت درجة القرابة بينهم نسبًا أو دمًا أو مصلحةً؛ بحيث يمكن أن نعيد التسمية للنظام باعتباره نظامًا للشر والعناد فلا خير- يعتد به- جاء على أيديهم لهذا الوطن مهما كانت الأرقام التي أدمن النظام الكذب بها على شعبه؛ لأن الخلاصة التي نتجت عن استمرار هذا الكابوس هي حالة من الفقر والتخلف والهوان، يحياها المواطن البسيط الذي طلق السياسة ولم يتطلع في يوم لمنصب أو حكم أو حتى مشاركة الحاكم فيما يرفل فيه أو يحلم به، بل كان جل همّ هذا المواطن لقمة عيش وستر يكفيه وبقية من كرامة تسمح له بأن يعيش أو يربي أولاده وهامته مرفوعة!!

 

ولكن يبدو أن هذا صار حلمًا وضربًا من المستحيل في ظل هذا العصبة، والأرقام خير شاهد من منظمات دولية لا من مراكز بحثية مصرية ولا جهات معارضة مغرضة!! فبماذا شهدت هذه الأرقام قبل أن نتحدث على حجم الخيانة للأمة التي مارسها هؤلاء المنتمون للحزب الوطني:

البنك الدولي: مصر في المرتبة 165 بين 175 دولة.. من حيث جذب الاستثمارات ومن حيث الفقر في المنطقة.

 

تقرير التنافسية الدولية: مصر في المركز 62 وتونس في المركز الـ30، والإمارات في المركز الـ32
فريدوم هاوس: مصر في ذيل قائمة الحريات والسياسية والمدنية.

 

منظمة الشفافية الدولية: مصر رقم 70 بين 146 دولة من حيث الشفافية والفساد يمثل 69% من جملة المعاملات الاقتصادية في البلاد.

 

مجلة الإيكونوميست: مصر حصلت على 3.4 في الديمقراطية.

 

جامعة شتغهاي: لا توجد أي جامعة مصرية بين أفضل 500 جامعة في العالم.

 

دراسة جامعية أمريكية: مصر تنتج نحو 375 كتابًا سنويًّا و"إسرائيل" تنتج 4000
الفيفا: جنوب إفريقيا حصلت على 15 صوتًا لتنظيم كأس العالم 2010 والمغرب 10 أصوات ومصر صفر.

 

مراسلون بلا حدود: مصر في المركز 133 بين 168 دولة في حرية الصحافة، وتسبقها أفغانستان وموريتانيا.

 

الأمم المتحدة: الفقر في مصر ارتفع بنسبة 7% بعد موجة الغلاء الأخيرة و23% من الأطفال الفقراء توقفوا عن التعليم (يا عيني على مجانية التعليم)!!

 

الجمعية الإفريقية لأمراض الكبد: 12 مليون مريض بالالتهاب الكبدي في مصر.

 

المشروع القومي لمكافحة السرطان: 100 ألف مريض بالسرطان سنويًّا.

 

التقرير الإستراتيجي العربي: مصر رقم 75 بين 87 دولة في أوضاع المرأة.

 

الأمم المتحدة: 100 ألف طفل شوارع في مصر.

 

والآن هل يحق لنا أن نتحدث عن الحزب الحاكم وأمنه؟! هل يصح أن نعتبر كل هذا الإنفاق على الأمن في مصر الذي يعادل الإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمي موجَّهًا لحماية هذا الحزب دون الشعب المصري؟ هل في ذلك مبالغة من المعارضين للإساءة لدرع الوطن الداخلي المسئولين على حفظ أمنه واستقراره؟! الحقيقة أن دور الأمن في مصر هو دور خارج الإطار الصحيح في مقابل تدخله في كل الإطارات الأخرى التي أفسدت حياة المصريين وقلبت أمنهم خوفًا وعزَّهم ذلاً!!

 

فدور الأمن هو الحفاظ على الشرعية التي تستمد أصلاً من الشعب صاحب المصلحة الأول ومصدر السيادة والسلطات وكذلك احترام القانون والمحافظة على الدستور، بجانب الحفاظ على أمن الوطن والمواطنين؛ مما يجعل الشعب ينشغل بالعمل على الإنجاز والعطاء في مناخ آمن يحفظ حقوقه الإنسانية ومكتسبات جهده وعرقه؛ بحيث لا تذهب لمن لا يستحق!! وهو في هذه المهمة يقوي من شوكة الجبهة الداخلية في مواجهة أي عواصف تهدد مسيرة الوطن نحو التقدم والرخاء وتحقيق النصرة والمنعة لهذا الشعب الوفي المعطاء!!

 

فهل فعلاً الأمن في مصر- بسياساته ورجاله.. بخططه وتصوراته.. بأدائه وممارساته- يحقق هذه المنظومة لمصر ولشعبها؟!

 

هل التزوير وحماية المزوِّرين، سواءٌ كانوا بلطجيةً أو قضاةً مرتشين، يحقق هذه الشرعية؟!
هل ترشيح المفسدين الخانعين وإنجاحهم بالتزوير يحقق صحة التمثيل الشرعي وكون الشعب مصدر السلطات؟!

 

هل مطاردة المتدينين الذين لم ينتهجوا أو يمارسوا عنفًا يحقِّق- كما يدَّعي الأمن- الحفاظ على هوية الأمة واحترام دستورها؟!

 

هل زيادة هموم المواطن العادي وتعطيل مصالحه ووقف حاله عند مرور أحد هؤلاء الكبراء، وما يستتبعه ذلك من إغلاق للطرق، ووقف لوسائل المواصلات دون اعتبار للمريض المنتظر لجراحة أو المتعرض لحادث طارئ مع غياب طبيبه وتأخير وصوله له في الوقت المناسب. أو تأخير الموظف عن عمله. أو الطالب عن دراسته أو امتحاناته.. هل كل ذلك يصبُّ في خانة مهمة الأمن لحماية أفراد العصابة التي تحكم مصر أم خانة المواطن صاحب الحق الأول في وطنه؟!

 

هل زيادة حوادث السرقة والنشل والنصب والاغتصاب والتحرش والقتل بين أبناء الشعب بأرقام جهاز الأمن نفسه، علمًا بأن الحصر يعتمد فقط على الذين أبلغوا عن جرائم، وهي تشكِّل نسبةًَ لا تزيد عن 20% من الحوادث الحقيقية، وذلك بسبب الاهتمام بالأمن السياسي وحماية الحاكم على حساب أمن المواطن واستقرار الوطن.. فهل ذلك يحقق مهمة الأمن كما يعرفها العالم كله لتحقيق الأمان لأي شعب؟!!

 

هل اعتقال المعارضين المخالفين في الرأي لنظام الشر والعناد ومصادرة أموالهم وتعذيبهم وحصارهم ومطاردتهم في كل مكان يحقق دور الأمن في الحفاظ على حقوق الشعب الأساسية والإنسانية أم يجعله خادمًا لنظام الحكم ليكون هدفه الإستراتيجي هو حماية النظام حتى من الكلمة والنقد ولو كان على حساب الشعب وحقوقه وحرياته؟!

 

أنا لا أدَّعي القول بخروج المنظومة الأمنية المصرية على قواعد العدل وخرقها لحقوق الشعب واعتدائها على حريات المواطنين بغير أدلة، فهي أكثر من أن تُحصَر أو تُذكَر مع توثيقها في مثل هذه المقالة، بل أداء الشرطة صار معلومًا من الظلم بالضرورة في مصر بل وعلى مستوى العالم!!

 

ولكن أريد أن أوضح حقيقةً قد تكون غائبةً عن بال الكثيرين، وهي أن ما نلقاه من عنَت وتعسُّف من المخبرين ورجال الشرطة إنما نحن فيه جميعًا من الضحايا، فهم أبنائنا وإخواننا رغم كل ما يكتنف أداءهم من عسف وغلظة وظلم، وأن الجاني الحقيقي هو ذلك النظام الفاسد الشرير الذي أطمع كبراءهم وأرشاهم وربط مصالحهم بوجوده وحمايته باستمرارهم في مناصبهم ونعيمها!! وصفوفهم تعاني معاناةً شديدةً في حياتها واستقرارها، وقد انتشر الفساد في أوساطهم وعشَّشت المحسوبية، وذاقوا من نفس الكأس الذي أشربوه لشعبهم، والله سبحانه يمهل ولا يهمل.

 

وقد شهد أكثر من شاهد من بين صفوفهم على ما وقَر في عقيدة هذه المؤسسة لإتمام السيطرة على حركة الحياة في مصر ضمانًا لاستقرار النظام تحت مسمَّى كاذب هو حماية الشرعية التي أثبتنا بما سبق عدم تحققها في ظل استمرار التزوير وغياب سيادة القانون وسيطرة الأمن، ولا أقول السلطة التنفيذية على مجمل السلطات الأخرى، بل والتأثير في نمط الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والاجتماعية في مصر!!

 

وعليه فما يحدث في انتخابات الشورى من تجاوزات أمنية في حق المرشحين المعارضين بل والمستقلين هو استمرار لهذا المسلسل وهو- دائمًا- ما يمنح الشعبية والشرعية لكل مضطهد من مرشحي المعارضة؛ حيث لا تدور رحى انتخابات حقيقية تفرز الأفضل أو الأقرب للناس!!

 

هذا فيما يخص أمن النظام، أما مرشحو الحزب الوطني الحاكم فلا أعرف كيف أخاطبهم وقد تجرَّدوا من الشهامة المصرية وقبلوا أن يخوضوا انتخاباتٍ صوريةً تم تزويرها مبكرًا باختيار أفراد اللجنة العليا من أبناء النظام الحاكم وموظفيه فيما سبق!! وتم اختيار موظفي الحكومة الذين سيشرفون على اللجان بعد إخراج القضاة منها بالفرازة بمعرفة أمن النظام، وأخيرًا باعتقال المرشحين وأنصارهم ومنعهم من الدعاية والحركة وسط الجماهير، ورغم كل ذلك يذهب مرشح هذا الحزب الحاكم قهرًا إلى المصلحة التي منع فيها منافسه ويجلس ويبتسم أمام موظفين تم شحنهم تلعن قلوبهم وألسنتهم المرشح وحزبه وحكومة الفقر التي أفسدت حياتهم!! فأي مكسب وأي كرامة وأي شرف وأي تمثيل يرتضيه مثل هؤلاء المرشحون.

 

إن خطأ هؤلاء ومن خلفهم أنهم لم يعتبروا بما فعله نواب هذا الحزب في الشعب والشورى الراقصون على مقاعد المجلس لإقرار التعديلات الدستورية!! والمصفقون لكل مسألة واستجواب حول سرقة وفساد النظام لأموال الوطن والشعب بعد رفضه والانتقال لجدول الأعمال، كأن هذه السرقة في جيوبهم هم لا جيوب العصابة التي تتحكَّم فيهم!! والرافضون محاسبة قتلة الشعب المصري في العبَّارة الغارقة بعد أن ثبتت الإدانة والمخالفات في حق الحكومة ومؤسساتها ومسئوليها.. المدافعون عن النظام بالحق والباطل وما أكثره!! وكأنهم يعيشون في حالة غيبوبة.

 

ولأنهم ممتنُّون لأسيادهم من أهل الحكم بتزوير الانتخابات من أجلهم فصارت لهم قيمة وثمن في عالم البيزنس وانتقلوا بقفزة كانوا لا يحلمون بها إلى صفوف نواب الشعب ممثلي السلطة الثانية، فانبهرت أعينهم وعمَت عما يرتكبه أسيادهم، ولأنهم متورِّطون في أعمال مخالفة تملأ ملفات ضخمة تخرج منها الجرائم ورقةً ورقةً كما حدث لنواب المخدرات والرشاوى والنصب والدعارة وناهبي البنوك وذلك عند رفضهم الانصياع للأوامر الصادرة إليهم أو خروجهم عن النص أو تجاوزهم لخطوطهم الحمراء، وقد نجا منهم مَن تم فصله من عضوية الحزب.. هل هناك مبررات أخرى تسمح لهؤلاء بقبول هذه المهانة التي يتحكم فيها في النهاية مخبر؟!

 

لن نرى مرشحًا منهم يرفض التجاوزات التي يعاني منها المرشحون المنافسون ويعلن اعتراضه أو تجميد ترشيحه احترامًا لذاته وثقته في شعبيته!! لن نرى لأنهم أقل من المخبرين في قبول الظلم والذل، وهم استمرار لمسيرة الفكر الجديد الذي أفسد حاضر ومستقبل مصر والمصريين!!

 

قد يصح وضع هذا الحزب أمام حقيقته وهو يمثل التجربة الدنماركية (ذات الهلس والنصب والدعارة والفجور وجسدها بمهارة فنانهم عادل إمام) في مقابل التجربة الموريتانية (ذات الشفافية والصدق والعدل والحرية واحترام إرادة الشعب كما طبَّقها ولد فال) لنخرج بنتيجة حتمية تجعل الفساد مرتكز الحزب الوطني الفكري، تدعمه آلة ضخمة، يديرها الكذب، وتحميها القدرة على البلطجة والعنف.

 

ذلك هو حال الحزب الوطني إنجازًا وأمنًا ومرشحين.. فما الدور المنوط بنا في هذه الانتخابات؟! أرى والله أعلم أن نظام الشر والعناد يجب ألا نحرمه من ممارسة البلطجة والتزوير في هذه الانتخابات إذا وجد إصرارًا على رفض كل مرشحيه مع اعتذارنا للشرفاء منهم وهم قلة، لكنهم ارتضوا أن يتترَّسوا تحت رداء الحزب ويقفوا خلف يافطته، وهو سبب كافٍ لعمل حملة لإسقاط كل مرشحي الحزب الوطني في كل دوائر مصر إعذارًا إلى الله أننا لا نملك إلا أن نرفض هذا الحزب الذي لا يُرجى شفاؤه وقد ثبت فشله وتآمره على مصر وشعبها؛ حيث صار درعًا لأعداء الوطن ولعبةً في أيديهم يوظفونه لإنهاء مصالحهم كوسيط في مقابل غض الطرف عن جرائمه في حق شعبه..

 

أسقطوهم يرحمكم الله, أسقطوهم إعذارًا إلى الله، فإذا نجحوا بالتزوير فقد سقط نظام بأكمله بعد أن أكل الظلم والفساد والاستبداد منسأته، والله على كل شيء قدير.

 

-------------

* drhishmat@yahoo.com