فكر قديم وآخر جديد، عصر ماضٍ في أفول وانكسار، وآخر مجهول آت لا يُعلم عنه شيء، في كل مرحلة لا بد من شعارات جديدة، ولكل عصر رجاله، المفسدون المنافقون هم رجال كل العصور، والأباطرة يغيِّرون جلودهم كتغيير إطارات العربة المتهالكة غير القادرة على المسير بأخرى جديدة، تحمل ذات العربة، وتسير في ذات الاتجاه، ويطلقون على ذلك التغيير، قد تتغيَّر الوجوه، وقد تتبدَّل الأشكال والمضمون هو هو لا تغيير.
مصر تمر بمرحلة حرجة يصرُّ النظام فيها على البقاء ولو على أشلاء الوطن، ولو بدون وطن.. المواطنون في نظر النظام رعاعٌ لا حقَّ لهم، والقانون قانون السادة الأقوياء، قانون الغابة، تسخَّر فيها الدولة بكامل مؤسساتها لمصلحة حفنة من البشر، ليست لديهم قدرة خارقة إلا في مخالفة القانون والاستيلاء على الوطن الدولة والمؤسسات، والمصر خانة دولة مستباحة لا مكان فيها لمواطن، ولا حق فيها لشعب، ولا سيادة فيها لأمة، ولا سلطة فيها مستمدة من شعب، وإنما الدولة والوطن والشعب والمؤسسات هي في خدمة الرعاع لصوص الوطن والشعب والمؤسسات وحتى الدستور.
عدلوا الدستور، وحاولوا علمنة الدولة، ومع فشلهم استطاعوا فرض الحظر على الشعب، ومنعوه بالقوة وبالسطوة من التعبير عن إرادته، فخرج التعديل المشوَّه يكرِّس هيمنة النظام على الحكم، ويهمِّش الحريات، بل يستأصلها بنصوص الدستور التي تجعل من حق السلطة التنفيذية والشرطة ضبْطَ الوطن والمواطن والقبض عليه في غير حالة التلبس، وتفتيشه وتفتيش مسكنه، والتنصُّت عليه، وعدّ أنفاسه دون اكتراث بحق الوطن والمواطن في الحرية، وهي حق طبيعي ومصونة لا تمس، ودون اهتمام بحرمة المسكن والبريد ووسائل الاتصال المختلفة، تحت شعارٍ برَّاق خادع وهو حماية الإرهاب.
وحرموا الوطن والمواطن من مرجعيته الطبيعية لعقيدته ودينه، وكأن الانتماء للدين جريمة، ففصلوا بين حقِّ المواطن في الممارسة السياسية ترشيحًا وانتخابًا وحقِّه في الممارسة بمرجعية فكرية إسلامية، ووضعوا حظرًا على الدين والإسلام والعقيدة والشريعة، وادَّعَوا كذبًا وزورًا أنهم قصدوا منع المتاجرة بالشعارات الدينية في الانتخابات من أجل جلب الأصوات، وتناسَوا أن الشعب والأمة لفظتهم إلى غير رجعة، وأنهم ذاهبون حتمًا إلى مزبلة التاريخ!!
حاصروا الوطن بجدران سمَّوها قانونية وهي أشبه بجدار الفصل العنصري الصهيونية، وإذا ما تجرَّأ مواطن ومدَّ يدَه لينال حقَّه الطبيعي وجد جدارًا عازلاً يحُول بينه وبين حقه السياسي في الترشيح والانتخاب.
منعوا المواطنين من الترشيح، فحالوا بينهم وبين الوصول للجان تلقى طلبات الترشيح لانتخابات مجلس الشورى تحت شعار المواطنة المنصوص عليه في المادة الأولى من الدستور، ومن استطاع تقديم أوراقه سارعوا ضده بالطعون على خلفيات شتَّى، ليس المضحك الوحيد فيها هو ما حدث في الجيزة من عدم تقديم مرشحي الإخوان شهادةً تفيد الجنسية للمرشح ووالده، ووضعوا المخدر في كوب الشاي لمرشح آخر في دمنهور، ومزَّقوا ملابس مرشحين آخرين في المنوفية، وهذه هي الانتخابات النزيهة!!
الانتخابات النزيهة تحت شعار الفكر الجديد، والعبور إلى المستقبل (شعار الحزب الوطني الجديد بعد تغيير قفازه القديم.. ديمقراطية.. تنمية.. استقرار)، هي انتخابات لا يُسمح فيها لمرشح غير مرشح الحزب الوطني بتعليق لافتة واحدة ولو كان الشعار المرسوم عليها "الإصلاح هو الحل.. نحمل الخير لمصر".
هي انتخابات تسخَّر فيها الأجهزة الأمنية البوليسية لإرهاب الوطن والمواطن، فيساق كل مؤيدي المرشح إلى السلخانة المسمَّاة زورًا "وزارة الداخلية" ليجرد فيها من المواطنة ويتحوَّل إلى عدوّ الوطن ويلبس ثوب الخارج على القانون والدستور، ويذهب مكبَّلَ اليدَين إلى غرف تحقيق آسف على حال الوطن، حينما أمارس دوري في الدخول فيها وهي غرف النيابة العامة التي يستصدر منها أذون الضبط والتفتيش، وأوامر الحبس الاحتياطي، وأعلم يقينًا أن كثيرين- إن لم يكن جميع أعضاء النيابة العامة- غير راضين عن الدور المنوط بهم في الانتخابات ألا وهو حبس المواطنين بلا جريمة، وحتى تكتمل فصول المسرحية بل "المسخرة" تدس للأبرياء إحراز من لافتاتٍ مكتوبٍ عليها "الإسلام هو الحل، الله أكبر ولله الحمد مرشح الإخوان المسلمين, وسيفان متقاطعان ومصحف مكتوب تحتهما كلمة وأعدوا"!!
ويطلب من المواطنين الشرفاء الأبرياء الأطهار التنصل من هذه الشعارات أو اللافتات، وهم بالفعل لم يصنعوها، رغم إيمانهم التام والكامل بما تحويه، إلا أن غرض صانعيها تلفيق القضايا، والسعي إلى اللجنة العليا للانتخابات من أجل شطب المرشحين المنتمين لتيار الإصلاح، وكل هذه المهزلة هي من سمات الفكر الجديد والعبور على المستقبل.
تزوير الانتخابات ومنع المرشحين والتضييق عليهم يعني أنها نزيهة، وتلفيق القضايا للأبرياء في محاولة مكشوفة لتضليل العدالة لتغطية فشل النظام والحزب الهش المهترئ في الشارع المصري، واستشراء الفساد والاستبداد والاستيلاء على أراضى الدولة والاحتكار والغلاء والبطالة وفشوّ الأمراض الوبائية.. هي سمات الفكر الجديد.
ونقول لكل هؤلاء: أنتم فاشلون ولو احتكرتم البوليس والأمن والإعلام.. أنتم ساقطون ولو زوَّرتم الانتخابات.. أنتم لصوص ولو حبستم الشرفاء وعقدتم لهم المحاكمات العسكرية.. أنتم في مزبلة التاريخ.
وأقول للشعب المصري العظيم: أنتم الدستور والسيادة والأمة، والسلطات كلها بأيديكم، ولا يغرنَّكم نفش الباطل، فهو كالغثاء وكالهواء كريه الرائحة، تذروه الرياح، فيبقى الوطن وتزول عروش الأصنام، فلا تَهِن ولا تيأس، والقرار قرارك والمصير مصيرك.
وأقول للإخوان: أنتم قلب هذه الأمة النابض.. احملوا الخير للناس.. ولا تيأسوا من رحمة الله؛ فإن الله قريب من المحسنين، فأحسنوا، وزيدوا في العطاء، وغدًا لناظره قريب.