تشهد منطقتا "عين الحمة" و"حمامات المالح" في الأغوار الشمالية الفلسطينية بالضفة الغربية تصعيداً استيطانياً متزايداً يهدد استمرار حياة العائلات البدوية التي تعتمد على الينابيع لسقاية المواشي وري أراضيها. كذلك تُفاقم السيطرة الصهيونية على المياه والموارد الطبيعية من مخاطر التهجير القسري، وتضع مصير الأهالي ومستقبل المنطقة تحت ضغط متصاعد.
عين الحمة في مرمى الاستيطان
وتُعد "عين الحمة" واحداً من أبرز الينابيع الحيوية في الأغوار الشمالية، إذ شكلت لعقود مصدراً رئيسياً لسقاية المواشي وري المزروعات، ما جعلها شريان حياة لعشرات العائلات التي تعيش في ظروف بدائية وتعتمد على تربية الثروة الحيوانية مصدر دخل أساسياً.
ويؤكد مختصون أن ما يجري في المنطقة يتجاوز كونه اعتداءات متفرقة، ليعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى السيطرة على الموارد الطبيعية، وعلى رأسها المياه، باعتبارها الأداة الأكثر تأثيراً في بقاء السكان أو دفعهم إلى الرحيل.
في السياق، يقول المختص في شئون الاستيطان، فارس فقها، في حديثه لـ"العربي الجديد"، "إن ما يحدث في عين الحمة عملية خطرة جداً تستهدف تهجير الفلسطينيين"، مشيراً إلى أن أهمية العين تنبع من استخدامها المكثف في ري مئات الدونمات وسقاية أعداد كبيرة من المواشي.
ويوضح فقها أن السيطرة الاستيطانية على المنطقة اتخذت طابعاً تدريجياً، من خلال ممارسات وصفها بـ"الناعمة"، مثل رفع الأعلام الصهيونية، وتنظيم أنشطة ترفيهية كالسباحة، وتنفيذ أعمال ترميم في محيط العين، في محاولة لفرض واقع جديد دون صدام مباشر في البداية. لكن فقها يشدد على أن هذه الخطوات تحمل أهدافاً استراتيجية واضحة، تتمثل بإحكام السيطرة الكاملة على الموقع.
آثار مباشرة على حياة الأهالي
وبرغم أن السيطرة لم تكتمل بعد، فإن الإجراءات الأخيرة بدأت تترك آثاراً مباشرة على حياة الأهالي، إذ أُزيلت خطوط المياه التي كانت تنقل المياه من العين إلى مساكن العائلات البدوية، ما أدى إلى حرمان نحو عشرين عائلة مصدرها الرئيسي للمياه.
ينابيع الأغوار تحت تهديد الاستيطان
يقول المهندس الزراعي راضي مساعيد، في حديثه لـ "العربي الجديد"، "إن مربي الثروة الحيوانية باتوا مضطرين إلى نقل المياه من مناطق بعيدة باستخدام الجرارات الزراعية، في رحلة يومية شاقة ومكلفة، تزيد من الأعباء الاقتصادية وتعرضهم لمخاطر الطريق، في ظل غياب أي بنية تحتية بديلة".
ويحذر مساعيد من أن الأزمة مرشحة للتفاقم مع اقتراب فصل الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة بشكل كبير في الأغوار، وتزداد الحاجة إلى المياه، ما قد يدفع العائلات إلى خيارات قاسية، مثل بيع مواشيها أو مغادرة المنطقة.
"حمامات المالح" تضيع
قبل أيام قليلة، انتشر مقطع مصور لمجموعة كبيرة من المستوطنين وهم يغنون ويتراقصون على أنغام موسيقى عبرية في منطقة "حمامات المالح" في قلب الأغوار الشمالية، لتنذر بما هو أخطر من مجرد حفلة، حيث يكشف عن محاولات جادة وفعلية لوضع اليد على المنطقة برمتها.
وتعد "حمّامات المالح" واحدة من أبرز المعالم الطبيعية والعلاجية في فلسطين، لكنها في الوقت ذاته تواجه تهديدات متصاعدة من المستوطنين الساعين للسيطرة عليها وفرض واقع جديد في المنطقة. وتُعرف الحمّامات بين الفلسطينيين بكونها مقصداً طبيعياً للاستشفاء، بفضل ينابيعها الحارة الغنية بالمعادن، التي يعتقد أنها تساعد في علاج أمراض الجلد والمفاصل، ما جعلها على مدار عقود وجهة شعبية لأهالي الأغوار ومناطق الضفة الغربية.
ويعود استخدام هذه الحمّامات إلى عقود طويلة، حيث شكّلت مورداً طبيعياً مهماً للأهالي، سواء لأغراض العلاج أو الاستجمام. وتتميّز المنطقة بطبيعتها البكر وهدوئها، ما يمنحها قيمة بيئية وسياحية عالية، إن توفرت لها الحماية والاستثمار. كذلك تمثل الحمّامات جزءاً من الهوية المحلية لأهالي الأغوار، الذين ارتبطت حياتهم اليومية بمصادر المياه الطبيعية، في بيئة تعاني أساساً من شح الموارد وسياسات التضييق المستمرة.
سياسات صهيونية ممنهجة
يقول الباحث في قضايا الاستيطان والناشط في الأغوار، عارف دراغمة "إن المنطقة تواجه منذ سنوات سياسات إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى السيطرة عليها، عبر توسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وفرض قيود على البناء والزراعة، إلى جانب التحكم بمصادر المياه".
ويشير دراغمة إلى أن السيطرة على الأغوار الشمالية، بما فيها حمّامات المالح، تأتي ضمن رؤية استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إحكام السيطرة على الحدود الشرقية للضفة الغربية، ومنع أي تواصل جغرافي فلسطيني مع الخارج. ويحذر قائلاً: "في حال نجاح محاولات السيطرة على حمّامات المالح، فإن ذلك لن يعني فقط خسارة موقع سياحي وعلاجي، بل سيشكل خطوة إضافية في مشروع أوسع يستهدف الأرض والموارد والوجود الفلسطيني في الأغوار".
وبرغم جمالهما الطبيعي وأهميتهما العلاجية، تقف منطقتا الحمة والحمّامات اليوم على خط تماس بين الاستغلال المشروع للسكان الفلسطينيين ومحاولات الاستحواذ الاستيطاني، ما يجعل مصيرهما مرتبطاً بصراع أوسع على الأرض والهوية في الأغوار الشمالية.
وفي ظل غياب حماية فعلية، تبقى تلك المواقع الطبيعية شاهداً على معركة مفتوحة، تتجاوز حدود الجغرافيا، لتمتد إلى مستقبل الوجود الفلسطيني في واحدة من أكثر المناطق حساسية واستهدافاً.