موفق شيخ إبراهيم

نعيش اليوم زمناً، استنوق فيه الجمل، وأصبح الرجال أشباه رجال! واستبدَّ الحاكم، وكثرت ألاعيب السحرة وغابت عصا موسى! نشهد فيه علاقة جدلية بين الطاغية، وبين عالم السوء، الذي يلعب دور السمسار، فيضع سلَّة من المسوغات، لتبرير أفعال الحاكم المستبد، الذي يختار سماسرته بخبث ودهاء، ممن يميلون إلى طلب الشهرة، ويلهثون خلف المال والجاه، وجلُّ هؤلاء سذَّج بسطاء! فيتمُّ من خلال فتاويهم الهشَّة، وأفكارهم الملوثة، تخدير الشعوب وإيقاعها في سبات طويل.

ابتليت الأمة بفريق ينتسبون إلى الساحة العلمية، وينظرون بعين واحدة إلى الحق والحقيقة، وبالعين الأخرى إلى ذواتهم وصورتهم في الوسط الثقافي والإعلامي! ولو تناولنا التمثيل لأمثال هؤلاء، لاحتجنا إلى مئات الصفحات، ومنحْناهُم الشهرة، بدون مقابلٍ، ومن حيث لا نرغب. وفي الأصل فإن حراسة الدين، من أولويات مهام هذا الفريق، فما ينبغي لأحدهم أن يكون ثغرة، تنفذ من خلالها المكارِهُ والشبهات، ومسائل الخلاف الشائكة، إلى الأمَّة!

عمل أعداء الإسلام، على جعل آراء العلماء المشبعين بأفكار الغرب، وأحكامهم التأويلية للقضايا الدينية الكبرى، متاحةً للجماهير على مستوى الفضائيات، والإنترنت!

علماء سوء، رضوا على أنفسهم، أن يكونوا سدَنة لحكام ظالمين! أو أنهم دخلوا في رقِّ أهواء ذواتهم، فطلبوا العلم لغير مولاهم العليم الخبير.

وهؤلاء على غير أهبة واستعداد، للخوض في غمار الدعوة، ففيها شرفٌ لا يستحقونه، ثم إنهم لا يملكون الصبر على لأواء الطريق، وحولهم الأغلال التي تلوِّح لهم بالإغراء.

من دخل حمى العمالة الثقافية، والعلماء الذين هادنوا الطغاة، جميعهم في سلَّة واحدة! والمشترك بينهم أنهم يلحِقون الأذى بالإسلام وبأهله، بشكلٍ أو بآخر!

أولئك قوم زال عنهم الورع وطوى بساطه، واشتد الطمع لديهم وقوي رباطه! وارتحلت عن قلوبهم حرمة الشريعة، فعدَّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، وادعوا زوراً أنهم تحرروا من رقِّ الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق، ولكن هيهات هيهات، وأنى لهم أن يتصفوا بهذا، وقد بعدت عنهم المكرمات؟! وهكذا تختزَل عند هؤلاء، الحقائق، ويطيش الميزان! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومن فريضة الوقت الكَشف عن ضلال المجرمين وفنون مكرهم واحتيالهم، وَوجه استدراجهم عوام الخلق، وإيضاح غوائلهم في تلبيسهم وخداعهم وفضح عوارهم، بما يُفضِي الى هتك أستارهم وكشف أغوارهم، ولو لبسوا لبوس العلماء!

قال أهل المعرفة من البلغاء، ممَّن يعرفون أدواء الكلام ودوائه: "تبارك المولى سبحانه، كم زلَّت في مقام الوقوف في دهاليز النفاق أقدام، وضلَّت فيه أفهام، وتكلم فيها الزنديق بلسان الصديق"! يتكلم آحادهم بغير منطق أهل العلم، غير مستند لبرهان، بل لخيالات فارغة، وأقيسة فاسدة. ذياداً ودفاعاً عن الباطل، فكانوا ربابنة يقودون سفن المصالح والأهواء! وحالهم حكاه القرآن فقال: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 8]، وحكاه في موضع آخر، فقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23].

         يا معشرَ العلماء يا ملحَ البلدْ *** ما يُصلح الملحَ إذا الملحُ فسدْ

ومن المؤسف أنَّ كميةً كبيرةً من "مِلح البلد"، لم تَفسد فحسبُ، بل ذابت في قصعة السلطان! ومن المفترض أن العلماء، هم من يحمون حصون الأمة من اختراقها، أو من الاقتراب منها، وحتى من تهديدها، فكيف الحال سيكون، إذا رأينا ثلَّة منهم، قد أضحوا أداةً طيِّعةً، في يد أعداء الأمة؟!

        وراعي الشاة يحمي الذئبَ عنها *** فكيف إذا الرعاةُ لها ذئابُ

ومن هنا ندَّد القرآن الكريم بهؤلاء في مناسبات عديدة، وضرب لهم أسوأ الأمثال، وفي ذلك تحذير لهذه الأمّة، أن تحذوَ حذوَهم، وأن تسلك مسارهم. فضرب الله مثلاً لمن أوتي علماً، فلم يؤدِّه حقَّه، ولم يمتثل ما يلزمه، فقال تبارك في علاه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176].

وأمثال هؤلاء من أصحاب المنابر المشبوهة، يمثلون تياراً ولا بدَّ من فضحهم. انظر عزيزي القارئ تصريح القرآن الكريم بـ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1]. وإذا كان الردُّ ضعيفاً على أصحاب الشبهات، فهذا يستدعي تمكين الشبهة من فكر المتابع لأمثال هؤلاء الموتورين. وإذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث، أما مع هؤلاء فقد لوثوا الأرض والبحر والبيئة بأكملها، فينبغي فضحهم على رؤوس الأشهاد، امتثالاً لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55].

وفي أمثال هؤلاء قال ابن المبارك، رحمه الله:

وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها

وباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا ... ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا

لقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ ... يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا

والمفارقة المؤلمة أن علماء السوء، يذكِّرون الناس بحديث عقبة بن عامرٍ قلتُ: يا رسولَ الله، ما النجاةُ؟ قال: "أمسك عليك لسانكَ، وليَسَعك بيتُك، وابكِ على خطيئتك"، ثم يطلقون ألسنتهم بعبارات الثناء، لحكام طغاة، أعلنوا الحرب على الإسلام صراحاً بواحاً جهاراً نهاراً. لسان حال هؤلاء حكاه الشاعر المسلم يوسف العظم رحمه الله، وذلك حين قال:

يرمرم من فتات الكفر قوتاً *** ويلعق من كؤوسهم الثماله

يقبِّل راحة الطاغوت حيناً *** ويـلثـم دونما خـجـل نـعالـه

وختاماً أسأل الله العصمة من الزلل، لكل قاصدٍ سبيل الله المستقيم، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.