أحمد سبيع

بقلم: أحمد سبيع*
المظهر كان لافتًا هذا اليوم 26 من مارس 2007م، والذي سيسجله التاريخ للنظام المصري والمعارضة والشعب، ولكن كل على حسب فعله.
فمنذ الصباح الباكر وهناك حالة من الرفض الشعبي الواضح للذهاب إلى لجان الاستفتاء على التعديلات الدستورية، في مقابل حملة دعاية مكثفة للحزب الوطني وأذنابه، وحملة ترويجية ليس لها مثيل في أجهزة الإعلام الحكومية، ولأول مرةٍ منذ زمن نشاهد نواب الحزب الوطني وسط دوائرهم، في غير انتخابات مجلس الشعب يتوددون إلى الجماهير، بكافةِ السبل وخاصةً الرشاوى التي بدأت بسندويتشات فول وطعمية في السيدة زينب وانتهت بتوزيع 100 جنيه لكل مَن يذهب للإدلاء بصوته في حلوان.
ورغم كل هذه الإغراءاتِ التي نجحت من قبل ولكن مع نواب الحزب الوطني الذين وافقوا على التعديلات مقابل 25 ألف جنيه لكلٍّ منهم- وليس جماهير الشعب- إلا أنَّ الشعب المصري استجاب لحملات المقاطعة، وأكاد أجزمُ أنها مقاطعة تفوق 95%، فاللجان كانت خاويةً، وقد شهدتُ لجانًا لم يزرها منذ الصباح الباكر وحتى الساعة الرابعة عصرًا تقريبًا سوى 5 أو 7 أشخاصٍ على أكثر تقدير، وشاهدتُ أيضًا الرشاوى التي دُفعت لمَن تمَّ استياقهم إلى لجان الانتخابات بمعروف في دائرة قصر النيل بالقاهرة مقابل إلغاء الغرامات على محلاتهم وورشهم، وعندما سألتُ أحد الصنيعية- مع كامل الاحترام والتقدير له- هل تعرف لماذا تدخل هذه اللجنة، فأجابني بكل براءة: "هم قالولي ادخل وهايدولك ورقة فيها كلمتين نعم ولا.. علم على نعم"، وعندما سألته على المقابل قال "وعدونا بشيل الغرامات المقررة على ورشنا".
ولذلك لم يكن غريبًا أن تجد الـ5%- على أكثر تقدير- الذين ذهبوا للإدلاء بأصواتهم معظمهم من كبار السن والأُميين الذين لا يعرفون شيئًا عن الدستور إلا اسم مسرحية للفنان أحمد بدير كانت بعنوان "دستور يا أسيادنا"، ولعل هذه الفئة من الناس لها عذرها؛ حيث أصبح كل حلمها أن تأخذ عشرة جنيهات أو حتى تفطر على حساب الحكومة بسندويتشات فول وطعمية.
في المقابل فإنَّ الغالبيةَ من الشعب استجاب لنداء "لا" ولكن.. لا للذهاب لصناديق الاستفتاء حتى تكون الفضيحة بجلاجل للحكومة وحزبها الحاكم عندما يعرف أنه وحده وليس له نصير أو مؤيد، وأن الشعبَ المصري يعي جيدًا ما له وما عليه، ويعرف مَن الذي يغتصب مستقبله ومَن الذي يدافع عنه.
هذا اليوم سيسجل التاريخ للشعب المصري هذا الفهم الراقي وسيذكر أنه رفض خدعة الحزب الحاكم، وهو ما يؤكد أن الرهان على الشعب هو الرهان الرابح وليس الخاسر كما يظن النظام.
أما الحزب الحاكم فلا شك أن مكانه الذي يستحقه في التاريخ محجوز له نتيجة هذه الفضيحة، فرجل الشارع العادي أصبح يعرف جيدًا ماذا تعني إضافة المادة 179 للدستور ويعرف جيدًا من المقصود بها، وهي المعرفة التي ترجمها موظف بسيط سأله زميله "أنت مش هاتروح للاستفتاء" فقال له: "أروح فين دا التعديلات فيها كوارث وبلاوي وكفاية المادة 179 والمادة 88 دول عايزين يحكمونا بالحديد والنار.. يا عم ربنا هايحسبني لو اشتركت في هذه المصيبة".
أما المعارضة المصرية فإنها تستحق التقدير والاحترام ليس لموقفها الرافض فقط للتعديلات، ولكن لأنها أخيرًا اجتمعت على رأي واحد ولم تنجح محاولات النظام معها في شقِّ صفها، ورفع الجميع لأول مرة شعار "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".
بقيت هناك مفارقة واحدة ما زالت تُحيرني كثيرًا وهي: هل الفتوى التي أصدرها كلٌّ من شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية بأن "مَن يكتم صوته في الاستفتاء آثمٌ شرعًا" دين أم سياسة؟.
وهل ا