من الحقائق الثابتة في العصر الحديث أن جماعة الإخوان كانت أكثر الجماعات تعرضًا للمضايقات والاضطهادات وظلم الحكومات ابتداءً من نشأة الجماعة في مدينة الإسماعيلية على يدي الإمام الشهيد حسن البنا، سنة 1928م، وحتى الآن مع اختلاف في درجات المحن واختلاف نوعي أحيانًا.

 

وكان هدف الحكومات الظالمة في كل العهود هو القضاء على الجماعة قضاءً مبرمًا، وكان من وسائلها لتحقيق هذا الهدف: الاغتيال، والشنق، والسجن والاعتقال.

 

ولكن كل هذه المحن- على شدتها وقساوتها في كل العهود- كانت كجرعات من حياة وتنشيط وإنماء، حولت الجمعية إلى جماعة، وأصبحت الجماعة تيارًا عالميًّا، أي خرجت بدعوة الإخوان من المحلية إلى العالمية، وأصبح الأعضاء والأنصار، والمتعاطفون معها- في كل أنحاء العالم يعدون بعشرات الملايين.

 

وارتبطت هذه المحن ارتباطًا طرديًّا بما تحرزه الجماعة من توفيقات، وانتصارات، ومن ناحية أخرى بما ينزل بالحكومات والأنظمة من سقوط، وإخفاقات وهزائم، وكذلك مع شدة تشبث الحكام الظالمين بالحكم، والشواهد معروفة مشهودة لا تحتاج إلى دليل، كما لا يتسع لها المقام.

 

القصف الإعلامي

والإخوان يعيشون حاليًّا في محنة حقيقية من مظاهرها الاعتقالات والتعذيب، ومصادرة الأموال بادعاء أن أصحابها يمولون الجماعة، وإجراء تحريفات دستورية، ووضع قوانين استثنائية تكاد تحرم الإخوان من الترشيح للمجالس النيابية والمحلية، وكذلك تقديم بعض القيادات الإخوانية للمحاكمة العسكرية.

 

ولن نقف عند هذه المظاهر أو عند بعضها، فليس هذا موضوع حديثنا. ولكنه مجرد "إطلالة" على الحرب الإعلامية التي شنها النظام على الإخوان، وخصوصًا بعد أن حصدوا 88 مقعدًا في مجلس الشعب، ووقفوا بالمرصاد لفضائح النظام ومفاسده، وأثبتت الأيام قدرتهم الفائقة على الممارسة البرلمانية في إيمان وجرأة وشجاعة، وكانوا دائمًا منحازين للشعب، ومصلحة الوطن، في الوقت الذي كان فيه نواب الحزب الوطني في صف الحكومة على طول الخط، وأصبح الإخوان أوسع قاعدة شعبية، وأقوى الجماعات والأحزاب في الشارع المصري.

 

أهداف القصف الإعلامي

وأمام هذه الحقيقة المذهلة لجأ النظام القائم إلى شن حملة إعلامية وحشية ضارية ضد الإخوان، جماعةً، ونوابًا، وحاضرًا، وماضيًا، زيادةً على الإجراءات البوليسية التي ألمحنا إليها من قبل، وكانت أهم أهداف هذه الحملة الإعلامية اللا أخلاقية ما يلي:

1- تشويه سمعة الإخوان حتى تهتز شعبيتهم، وينفض الناس من حولهم.

2- صرف أنظار الشعب عن فساد النظام القائم، وما حققه لمصر من تخلف وفقر، بل انهيار في شتى المجالات السياسية، والاقتصادية، والتعليمية.

3- تبرير أخطاء النظام ومظالمه وإبقائه على قانون الطوارئ، وبلغ الإسراف في التبرير أن يكتب أحدهم بالحرف الواحد "إن استخدام قانون الطوارئ، وفرض حالة الطوارئ على امتداد السنوات الأخيرة كان السلاح الفعال لمواجهة الإرهاب والتصدي له، والقضاء عليه، بل أزعم دون خوف من مبالغة أنه لولا قانون الطوارئ لكانت مصر لا تزال فريسةً للإرهاب والإرهابيين" (إسماعيل منتصر في مجلة أكتوبر 11/3/2007م).

4- التمهيد النفسي والاجتماعي لما عزمت الحكومة على اتخاذه من قوانين وقرارات، وما يسمى بالإصلاح الدستوري، وكل أولئك يكرِّس الاستبداد وحكم الفرد المطلق.

 

بعض الآليات والمظاهر

ومن آليات هذه الحرب الإعلامية ومظاهرها الخسيسة، برنامج "حالة حوار" الذي يقدمه كاتب صحفي من مدرسة المستنقع في القنوات التلفازية الفضائية والمحلية، وأغلب حلقاته خصصت للهجوم على الإخوان فكرًا وتاريخًا، ورجالاً، وكان من المفروض أن يكون في المتحاورين واحد من الإخوان، ولكن عمرو عبد السميع- صاحب البرنامج- يرفض هذا الإنصاف لأنه- على حد قوله "لا يستضيف واحدًا يمثل جماعة محظورة.." وقد كتبت عن هذا البرنامج من قبل وسميته "حالة خوار" بالخاء بدلاً من الحاء.

 

كما اقتضت الحملة الإعلامية تكثيف الهجوم الصحفي، واستحلال الكذب والتزوير، والتهويل من الخطر الإخواني الذي يهدد الوطن وأمنه على حد قولهم. وتنوعت الحملات الصحفية، ولم تكن على وتيرة واحدة، وإن اشتركت في الجوهر والخطوط الرئيسية، ونكتفي في هذا المقام بمظاهر ثلاث متنوعة، كانت مادةً صحفيةً للهجوم على الإخوان في إسراف وتهويل وكذب وتزوير. ومن ذلك الادعاء بأن للإخوان "ميليشيا عسكرية" تهدد النظام، وتجعل الشعب يعيش حياته في خوف وفزع، وقد استغلت الصحف "القومية"- لترويج مقولتها السابقة- مشهدًا تمثيليًّا قدمه قرابة ثلاثين من طلاب الإخوان بالأزهر، وكان الطلاب يرتدون زي الفدائيين، مع أن هذه المشهد قدمه الطلاب على قرابة عام فلم يثر بسببه واحد من المسئولين.

 

أما هذه المرة فوظف توظيفًا سيئًا، وكأنما كان هذا المشهد "ساعة الصفر لبداية ملتهبة للقصف الإعلامي، وقد تولى كبر هذه الكارثة: رجال الأمن، وشيخ الأزهر، ورئيس جامعة الأزهر وصحفيون وكتاب من مدرسة المستنقع. وكلهم أخذوا يدقون أجراس الخطر، ويحذرون الشعب من الكوارث والمصائب التي ستنزل به من هذا الجيش الإخواني إذا لم يضربوا الإخوان وميليشياتهم بيد من حديد.

 

وكان من الطبيعي أن يكون بعد ذلك توابع، منها القبض على عشرات من طلاب الإخوان بالأزهر، وفصل عدد منهم، وحرمانهم من الامتحان، واعتقال عدد كبير من الإخوان وقيادتهم، ومصادرة أموال أصحاب الشركات والتجاريين منهم بحجة أنهم يمولون جماعة الإخوان "المحظورة".

 

والقِّيادات التائبة

وسقطت هذه الهجمة تحت الأقدام مثخنة بالجراح، وعجز أعضاء مدارس المستنقع من كتاب وصحفيين أن يحققوا من ورائها الأهداف التي حرصوا على تحقيقها، وتحولت مسألة الميليشيا هذه إلى نكتة تدور على أفواه الناس. فكان لا بد من هجمة طريفة مختلفة في شكلها وأبعادها عن الهجمات السابقة.

 

وتولت "مجلة أكتوبر" كبر هذه الهجمة، وفوجئ القراء بعنوان غريب يتصدر غلاف المجلة الصادرة في 11/3/2007م، ونصه "اعترافات التائبين تفضح أسرار الإخوان" وفي ص 22 من المجلة كان العنوان المتصدر: "التائبون عن فكر الإخوان يفضحون أسرار الجماعة المحظورة".

 

ويعرض مقدم التحقيق- واسمه عمرو فاروق- سبع شخصيات إخوانية قيادية على حد زعمه -، اكتشفوا بعد اندماجهم في الجماعة ما تقوم عليه من زيف وغش وخداع فثابوا إلى رشدهم، وهجروا الجماعة وفكر الإخوان، وجاء على لسان كل تائب الأسباب التي جعلته يهجر الجماعة، وفكرها، وتكاد هذه الأسباب تنحصر فيما يأتي:

أ- حب الزعامة والسلطة.

ب- انفصام الشخصية (فمنهم مثلاً من كان يحث على صلاة الفجر ولا يصليها).

 

3- جعلت الجماعة هدفها الأول الوصول والهيمنة على الشارع المصري، ومن قبيل الوهم ما تدعيه من التزام الإيمانيات والروحانيات.

 

4- بُعد الجماعة عن النهج الصحيح للدعوة إلى الله، وهو الحكمة والموعظة الحسنة، فهي لا تدعو إلا لفكرها، وإسلام الجماعة هو الصحيح، أما إسلام الآخرين فليس إسلامًا.

5- إتباع سياسة "ميكيافلي" فالغاية عندهم تبرر الوسيلة.

6- تركيز الجماعة على مخاطبة القلب لا العقل لإحكام السيطرة على أفرادها، وبذلك تقتل الإبداع وحرية التفكير.

7- جماعة الإخوان تفرض وصايةً كاملةً على أفرادها، وتعاملهم معاملة الرعاة لقطعان الغنم.

 

هذه هي خلاصة لبعض ما جاء على ألسنة القياديين(؟؟؟) الذين تركوا الجماعة عن قناعة، واقتناع بعد معايشة لها.

 

ونورد فيما يأتي قطوفًا مما جاء على ألسنة بعضهم، حتى نتعرف على طبيعة أسلوبهم ومستواه:

أ- الإخوان يربون عناصرهم على نزعة التشدد ونبذ الآخر ولو "أظهروا العكس" فتجعلك الجماعة على قناعة بأنك على الصواب، وكل من حولك على خطأ.

ب- كما أن هذه الجماعة تنتهج سياسة التعليب في تربية أفرادها، وتعتبرهم قوالبَ فارغةً، تضع فيها ما تشاء بالشعارات، وكلام قيادات الجماعة، فهي منظومة كلامية، ويدعون لأشياء لا يطبقونها، مثل الديمقراطية والشورى وغيرهما من مصطلحات الزيف التي تخدع بها الآخرين.

ج- كما أن جماعة الإخوان عالم غريب الأطوار قانونه السرية والغموض وتحوطه الستائر والأبواب المغلقة، وفي هذا الجو الخانق تنمو حشائش الشيطان من فساد مالي، وإداري وأخلاقي وتسلط، قيادات الجماعة تمتلك الاستبداد المطلق على رقاب الأفراد نتيجة حالة الخنوع والخضوع التام تحت مبدأ السمع والطاعة.

وأمام هذا التحقيق الذي قدمه الصحفي عمرو فاروق بـ"مجلة أكتوبر" 1585 (11/3/2007م) تحت عنوان: "التائبون عن فكر الإخوان يفضحون أسرار الجماعة المحظورة"، نَخرج بالملاحظات والنتائج الآتية:

1- استخدم الصحفي عمرو فاروق منهج الغش بالإيهام فقدم كل شخصية "تائبة" بأنها شخصية قيادية في الجماعة، ونقرأ أسماءهم، وننظر صورهم، ونكشف بسهولة أنهم طلاب من المغامير المجهولين.

2- الكلام الذي جرى على ألسنة هؤلاء ذو طبيعة فنية، ولغوية واحدة، مما يشي، بل يقطع أنه صدر من معين واحد، ثم وزِّع قطعًا وشرائح على هذه الشخصيات، وخصوصًا أن ما جاء من آراء إنما هو تكرار أمين لرأي النظام القائم.

2- واضح أن الهدف من هذا التحقيق هو الإساءة إلى سمعة الجماعة، وتشويه صورتها من الداخل حتى ينصرف الناس عنها، وتهتز شعبيتها.

ولكنَّ الله خيب رجاءهم، وأحبط أعمالهم، وهذا التحقيق الذي قدمته "مجلة أكتوبر" يشدني إلى أواخر الأربعينيات من القرن الماضي إذ رأيت صحيفة "صوت الأمة" التي كانت تمثل حزب الوفد- وقد كان بينه وبين الإخوان آنذاك عداء.. دأبت هذه الصحيفة على نشر باب دائم فيها عنوانه "هذه الجماعة تهوي"- أي جماعة الإخوان- وتعرض أسماء وهمية لشخصيات قدمت استقالتها من الجماعة لسقوطها في الأخطاء والخلل والخيانة، وكانت النتيجة عكس ما هدفت إليه الصحيفة، فاتسعت قاعدة الجماعة، وانكمشت رقعة الوفد، ولم يعد يوصف بلقبه المشهور "حزب الأغلبية".

وسخر أحد شعراء الإخوان من عنوان "صوت الأمة" فنظم قصيدة منها البيت التالي:

  هذي الجماعة تهوي = إلى سناها القلوبُ

ومرة أخرى سقطت هجمة أكتوبر سقوطًا ذريعًا، فلم تحقق ما هدفت إلى تحقيقه أو بعضه.

 

                              وكان للقط هجمة

وممتاز القط رئيس تحرير "أخبار اليوم" هو الرجل "الجاهز" دائمًا، ولم يكن جاهزًا ينحاز إلى صف الشعب والحق، ولكنه جاهز مستجيب دائمًا لأي إشارة من النظام، لا يقول إلا ما يرضي حكامنا وكبار قادة الحزب الوطني.

 

ولا يهم القط أن يكون ذلك على حساب القيم الإنسانية والوطنية والحق الواضح، فكان لا بد أن يقود هجمةً على الجماعة المحظورة من لون جديد وفكر جديد.

 

فكتب القط في "تكيته" التي تسمى أخبار اليوم بتاريخ 17/3/2007م، تحت عنوان "ستات الجماعة المحظورة": "في الخفاء في سرية كاملة، بدأت جماعة الإخوان المحظورة إعادة ترتيب البيت، لمواجهة التداعيات السلبية، التي كشفت عنها بعض المواقف الأخيرة، والتي ساهمت في تعرية وفضح حقيقة الأهداف التي تنشدها، وهي الوصول إلى السلطة، وبأي ثمن.

 

لقد منيت الجماعة بهزائم متلاحقة، بعد أن وضح أن التخفي وراء الدين أصبح حيلةً باليةً لا تنطلي على المواطنين، وخاصة البسطاء منهم، والذين خدعتهم لبعض الوقت الشعارات. الجوفاء للجماعة".

 

ولهذا بدأت الجماعة- كما يرى القط- تستعين بالنساء للقيام بدور الإخوان "الرجال" في الدعوة وعقد الاجتماعات والتنسيق بين أقطاب الجماعة... إلخ لأنهن يملكن حرية الحركة، والتنكر.

 

كما جند الإخوان، الأبناء الصغار في المدارس الابتدائية للقيام بمثل هذه الأدوار، ولم ينس "القط"- وهو يحكي انتفاضًا صولة الأسد- لم ينس أمرين مهمين جدًّا من وجهة نظره:
الأول: تحريض الحكومة على إنزال ضربات قوية متواصلة بالإخوان؛ لأن ما أنزلته بهم الحكومة لا يكفي.

 

والثاني: إبراز تعاطفه- لا مع ضحايا الأمن والنظام-، ولكن مع الحزب الوطني.. يقول القط بحنان متدفق "قلبي مع الحزب الوطني- أقصد مع المخلصين في حزب الأغلبية- الذي يقود ثورة للتصحيح، تجعله أكثر إدراكًا وقربًا من طموحات الناس وآمالهم".

 

وما كتبه القط أقل وأصغر من أن يرد عليه، ولكن القط- من حيث لا يدري، ومن حيث لا يقصد- شهد للجماعة "المحظورة" بالعظمة والقدرة: فالجماعة التي ينهض بتبعاتها ومتطلبات دعوتها نساء، وأطفال، يقومون بالمطلوب- في غيبة الرجال هي جماعة قادرة، ولدت للبقاء مهما نزل بها من محن وشدائد.

-------------

* Komeha@menanet.net