المستشار طارق البشري

 

ونحن في ختام هذه الحالة التي بدَت لي حالةً عبثيةً، وهي المتعلقة بتعديل الدستور، قد يكون من المناسب الإشارة إلى بعض الأمور التي لم تحظَ من المتحاورين باهتمام يُذكر.

 

إما أن الموضوع- تعديل الدستور- كان حالةً عبثيةً، فذلك في ظني يرجع إلى ما سبق أن أشرت إليه في كتابات سابقة ومنذ أوائل سنة 2004م، من أن المطلوب لمصر بإلحاحٍ هو الإصلاح السياسي وأنه لا إصلاح دستوريًّا يفيد الأمة قبل أن نسير خطوات واسعة في الإصلاح السياسي، وأن الإصلاح السياسي متوقفٌ على إنهاء حالة الطوارئ دون بديل لها من قانون استثنائي يسمى بقانون الإرهاب وعلى إتاحة حرية التنظيم الحزبي والجماعي السلمي دون أي عوائق وعلى رفع يد الوصاية الإدارية الحكومية عن هيئات المجتمع الأهلي وأن كل ذلك خليق في مدى محدود من السنين أن تتبلور بها القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، بما يسمح بتبين أوزانها النسبية بين بعضها من خلال مواقف كل منها ومطالبه وأهدافه ومدى ما يعبر عنه عن مصالح وطنية وجماعية، ثم بعد ذلك يمكن إعداد الدستور الذي تصنعه هذه القوى لو تشارك في صنعه بقدر ما يكون لها من وزن سياسي حقيقي في الأمة، وبقدر ما تختص من أهداف وطنية وشعبية ومصالح اجتماعية واقتصادية.

 

كما أن الأمر يحتاج إلى ترميم أجهزة إدارة الدولة في كل جوانب عملها العام، لأداء ما يُناط بها من وظائف فنية في تسيير المرافق وإدارة الخدمات وإنعاش الأداء المهني، سواء في مجالات الإنتاج أو التعليم أو الخدمات أو الأمن القومي أو القضاء؛ وذلك لإعادة تركيب ما انفكَّ من أواصل هذه الأجهزة من سوء الإدارة والفساد والغواية وفقدان الهدف العام وتضييع المسئوليات العامة؛ وذلك على السنوات الثلاثين الأخيرة.

 

وإن ما سبق من التعديلات الدستورية للإصلاحات السياسية أشعرني بأن الأمر لا يعدو أن يكون إجهاضًا للإصلاح السياسي، وسبقًا للأحداث بإصلاح دستوري تتمكن السلطة القائمة في أزمتها من التجميل به ليجري في إطار مصلحتها هي؛ لترمم به ما انشرخ وانصدع من قوائمها المتهاوية وتعالج به علل نظامٍ سياسي، وإن لم يعد يستطيع حِراكًا ولكنه لا يزال قائمًا، لعدم نضوج مَن يحل محله.

 

ووقعت المعارضة في هذا الفخ، ولم تكتفِ فصائل عديدة منها من أن تتجاوب مع مطلب إصلاح دستوري ليست هي مستعدة بقوتها الموجودة على فرض أي تعديلٍ فيه لصالحها بل إن بعض فصائلها استجاب بحماسٍ مثير لهذه الدعوة، وشارك فيها بما لا يعدو أن يكون قيامًا بأدوار ثانوية في مسرحية مدونة النهاية سلفًا.

 

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

لقد استغرقت هذه "الحالة الدستورية" نحو ثلاث سنوات في زرعها منذ أوائل 2004م، ثم استغرقت نحو سنة ونصف السنة في إثارتها وإلهاء الناس بها بما يفيدهم، وتركت الحكومة حبل الكلام والنقاش على غاربه، فقال الناس ما يريدون وفعلت هي ما تريد.

 

هذه "الحالة الدستورية" توشك الآن على نهايتها الإثنين المقبل المحدد للاستفتاء الذي ستجيء نتيجته بإقرار التعديلات التي أعدتها الحكومة بنسبة تأييدٍ شعبي مُقدَّرة سلفًا من جانب معدي حملة الاستفتاء ومنفذيه، ويكون النظام السياسي قد حقق أهدافه الثلاثة التي كانت متوقعةً سلفًا من سعيه لتعديل الدستور. حتى قبل أن يعلن رسميًّا عن مشروع التعديل في ديسمبر سنة 2006م، وقد سبق أن أبديت رأيي هذا في شهر مايو 2006م، قبل أن تصدر التعديلات المذكورة هذه الأهداف الثلاثة هي:

 

توجيه أحكام الدستور الخاصة بالحريات لتقبل إصدار قانون باسم مكافحة الإرهاب يحل محل حالة الطوارئ ويمكن للنظام السياسي كل إمكانات الطوارئ عندما تكفله له المواد 41، 44، 45 فقرة 2 من حرمات، وعصم وحقوق آدمية، وكذلك تقويض نظام الإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية مما كفلته المادة 88 من الدستور حسبما حكم المحكمة ا