د. يحيى الجمل

 

انتهى السامر وانفض "مولد" ما أطلق عليه التعديلات الدستورية، وأصبح واضحًا أن الحزب الوطني وبرلمانه وأمانة سياساته تقف إلى جانب، وأن الشعب المصري كله علماءه وفقراءه وشرفاءه يقفون جميعًا في جانبٍ آخر، وأن هناك بين الجانبين برزخًا يفصل بينهما.

 

أما الجانب الأول- الحزب الوطني وأجهزته- فقد انصاع لكل ما جاءه من فوق، لم يبدل فيه كلمة ولا حرفًا، وأصمَّ أذنيه تمامًا عن كل ما سمعه من رأي وفكر وكلمة صادقة، وازوَّر عن ذلك كله وأهمله، وهم يظنون بذلك أنهم يُحسنون صنعًا، ألا ساء ما يظنون.

 

وانْتهى الأمر إلى هذا الحصاد المر الذي يُراد للشعب المصري أن يتجرعه، وأن يُرغَم على استساغته، قيل للناس إن هذه التعديلات غير المسبوقة هي من أجل مزيدٍ من الديمقراطية ومزيد من المشاركة ومزيد من المواطنة.. فماذا كان؟

 

لو استعرضنا المواد الأربع والثلاثين التي كانت مطروحةً للتعديل سنجد أن عددًا كبيرًا منها، بقاءه أو تعديله، لم يكن له أثر في حياة الناس، من ذلك إلغاء النصوص التي كانت تتحدث عن الاشتراكية وعن التخطيط وعن القطاع العام، كلها مواد كان الزمن قد تخطاها، وكان بقاؤها في نصوص الدستور مدعاة للسخرية، وكان من الأفضل رفعها عن الدستور، وقد حدث ذلك وهو أمرٌ لا بأس به.

 

ويأتي بعد ذلك عددٌ من المواد، التي قيل إنها تنظم العلاقة بين الرئيس والبرلمان ومجلس الوزراء، وكلها نصوص في ظل نظامٍ يقوم في حقيقته على محورية رجل واحد، هو رئيس الجمهورية، وعلى غيابٍ لحياةٍ حزبيةٍ حقيقية، كلها نصوص في ظل هذا الوضع لا تقدم ولا تؤخر ما دام الأمر مرجعه في النهاية إلى إرادة رجل فرد.

 

رئيس الوزراء الذي لا يستند إلى حزبٍ حقيقي ويرتبط وجوده وعدم وجوده بإرادة الرئيس، ماذا يمكن أن يغير في وضعه نص هنا أو نص هناك؟! كلها أمور مصطنعة لا تجوز على أحد، وإن ظن البعض أنهم يزينون بها ما لا يمكن تزيينه.

وهكذا عدد من النصوص الأخرى من هذا القبيل.

 

أما النصوص الجوهرية، فيما قيل له تعديل، فإنها هي التي تمثل في تقديري- وأرجو أن أكون مخطئًا- الحصاد المر.

 

وأول هذا الحصاد ما يتمثل في قضية حرية تكوين الأحزاب السياسية، كان الناس ينتظرون أن يقرر التعديل الدستوري أن تقوم الأحزاب السياسية بمجرد الإخطار، كما هو حادث في العالم الديمقراطي كله، بل ما كان قائمًا في مصر حتى قبل سنة ١٩٥٣م مع حظر الأحزاب العسكرية، والأحزاب التي تدعو إلى إقامة دولة دينية، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث، وجاء نص يمنع قيام الأحزاب التي تقوم على أساس الدين، وهي عبارة فضفاضة لا تصلح معيارًا دستوريًّا؛ ذلك أن الأصل في المعايير الدستورية أن تكون منضبطة غير فضفاضة، تحتمل أكثر من تفسير.

 

كان مفهومًا أن يمنع النص الدستوري قيام الأحزاب التي تدعو إلى إقامة دولة دينية، فهذا معيار واضح أما القول بـ"منع الأحزاب التي تقوم على أساس الدين" فهي عبارة يمكن عن طريقها منع أي حزبٍ يشير إلى المادة الثانية من الدستور التي كررنا أنها غير قابلة للمساس بها، ويقينًا فإنها ستحول بين حزب الوسط وبين الإجازة، فضلاً عن أي حزبٍ آخر على يمين حزب الوسط، فالمعايير الدستورية يجب أن تكون منضبطة، والمؤسف أن تستعمل لفظة "المواطنة" هنا في غير ما أعدت له.

 

هذا عن الأحزاب السياسية، وإذا كان من المقرر أن حرية تكوين الأحزاب السياسية هي المقدمة الضرورية لأي نظامٍ ديمقراطي فإن التعديل الدستوري في هذا الصدد لم يحقق أي خطوةٍ إلى الأمام.

 

ونأتي بعد ذلك إلى طريقة ترشيح، ثم انتخاب رئيس الجمهورية؛ وهو الأمر الذي تصدت له المادة السادسة والسبعون، والتي عُدلت