الصورة غير متاحة

 سيد نزيلي

ينظر أكثر العلمانيين إلى الشريعة الإسلامية نظرةً ضيقةً، تنطلق من مخزون ثقافي وفكري جرى تشكيلُه وفق معايير ليس للإسلام ولا لتراثه ومصادِرِه ومَراجعِه أيةُ صلةٍ بها، إنهم يستعيرون موازين ومعايير أخرى غير تلك التي يقرِّرها الإسلام ويضعها كمقاييس يُعرف بها الحق والباطل، والجمال والقبح، والصواب والخطأ.

 

ذلك أن للإسلام منهجَه في الحكم على الأشياء عمومًا، وتقييم الأفعال، وتخليص النفوس من الهوى، دون الانسياق خلف الشهوات والشبهات والظنون.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَي أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).

 

فلا شكَّ أن الإسلام يشكِّل عقْلَ أبنائه وفق منهجه هو ومعاييره هو، وليس وفق معايير مستقاة من مناهج أخرى قد تتعارض أو تتناقض في كثيرٍ أو قليلٍ مع القيم الثابتة والركائز الأصلية لمنهجه وحركته في واقع النفس والمجتمع والحياة الإنسانية عمومًا؛ ولذلك يتخبَّط كثيرٌ من المفكِّرين والكتَّاب العلمانيين عندما يخوضون في قضايا الإسلام وما يتعلق به من شريعة وفقه وفكر وثقافة وقيم وعادات وتقاليد وأعراف.. إلخ، نقول إن التخبُّط يَظهَر في تعاملهم مع أمور الإسلام عمومًا؛ وذلك لعدة اعتبارات منها:

1- أنهم تأثَّروا بالفكر الغربي والثقافة الأوروبية وصارت أحكامهم ورؤاهم من منظور الغرب وبعيونه ومناهجه، ولا شيء غير ذلك.

 

2- أن حظَّهم من ثقافةِ الإسلام وفكرِه قليلٌ، ويضاف إلى ذلك عدم توافر الجوّ الإيماني والعملي للحياة الإسلامية الصحيحة لهم، وضعف الانتماء القلبي والوجداني لكل مشتملات الإسلام، ولا نطعن بذلك في إسلام أو إيمان البعض، وإنما يشير الواقع إلى أن بؤرة الاهتمام الفكري والانشغال الذهني إنما تتوجه إلى أشياء واهتمامات كثيرة جدًّا ليس منها الإسلام وهموم المسلمين.

 

3- إن ولاءاتهم تتعدد- ولا نتهم النوايا- وانتماءاتهم تتكاثر، وجذورهم الفكرية والثقافية تتجه إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار، وهم مربوطون بجذورهم بروابط فكرية وعقائدية من الصعب عليهم الانسلاخ منها، حتى ولو رغبوا هم في ذلك إلا من رحم الله.

 

4- وقد يدَّعي بعضُ العلمانيين أنهم قد قرأوا عن الإسلام، واستوعبوا كثيرًا من قضاياه وعالجوا شيئًا من نظرته إلى الكون والحياة والإنسان، ولكن للأسف الشديد قد تمَّ لهم ذلك من منظور المستشرقين والكارهين للنموذج الحياتي والفكري للإسلام، وتأثروا غاية التأثُّر بفكرة فصل الدين عن الحياة، وإقصائه عن مجريات حياة المسلمين.

 

ونحاول الآن أن نناقش بعض العلمانيين فيما كتبوه متصلاً باعتراضهم على النصِّ على الشريعة الإسلامية كمصدرٍ أساسيٍّ للتشريع في الدستور المصري الحالي، ويَعْزِي البعضُ ورودَ هذا النص إلى أن الرئيس أنور السادات قد لجأ إليه عندما أراد أن يفتح الباب المغلَق بقيد الولايتَين في دستور 1971 لتجديد رئاسته لمدد أخرى لا قيودَ عليها، وأن إثبات الشريعة الإسلامية في الدستور كان حيلةً فقط ليستفيد هو شخصيًّا بالتجديد له في الرئاسة مراتٍ ومراتٍ، وكأنه كان عاجزًا أن يفعل ذلك بدون أيِّ مبرر آخر.

 

ومما يذكره الدكتور محمود جامع أن هذا المطلب كان وراءه رأيٌ عامٌّ إسلاميٌّ شاملٌ، وعلى رأس المطالبين به الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر وقتذاك؛ حيث استدعاه الرئيس السادات في ميت أبو الكوم ليزفَّ إليه بشرى موافقته على إثبات نص الشريعة في الدستور.

 

ونجد المست