بقلم: د. أحمد دياب*
ما زال النظام مصرًّا على ممارسة "حوار المرايا" أو "رجع الصوت" السياسي، فهو لا يريد أن يسمع إلا نفسه، ولا يريد أن يرى إلا رؤيته، وهو يمثِّل بذلك "تمثالاً" للعناد السياسي والاستئثار السلطوي، فالمتابع لمسلسل التعديلات الدستورية، ابتداءً من اقتراحات التعديلات التي جاءت أحاديةً فوقيةً سلطويةً تنتقي موادَّ بعينها، بل وفقرات بعينها، دون اعتبار لأي مطالب أخرى من أي أحد آخر، وانتهاءً بصياغة هذه المواد عبر لجنة صياغة تكرِّس نفس الرؤية ولا تخرج عنها قيد أنملة.. لجنة صياغة منتقاة أيضًا دون أية معايير موضوعية، وخلت من أي عضو لأكبر كتلة برلمانية معارضة، وهي كتلة الإخوان المسلمين..!! رغم تقديمها مع المستقلين حوالي 96 اقتراحًا لصياغة المواد، بينما لم يتقدم سوى 10 من الحزب الوطني باقتراحات!!
والمتتبع للحملة الإعلامية للترويج للتعديلات الدستورية والتبشير بها والتسويق لها، والتي يقودها الجهاز الإعلامي الرسمي- الذي هو ملك الشعب كلّ الشعب وليس الحكومة ولا حزبها فقط- يجد "حوار المرايا" و"رجع الصوت" مرةً تلو المرة، بتعديد للإيجابيات العظيمة والإنجازات التاريخية والعبور الثاني، وإنعاش الحياة السياسية، ودعم التعددية والرخاء والرفاه وحفظ هيبة القضاة.. إلخ من الثمار اليانعة التي ستُثمرها شجرة التعديلات المباركة؛ وحتى لا يصاب المتابع بالملل ليسمح لي دهاقنةُ الحملة الإعلامية بمداخلةٍ بسيطةٍ أو فاصلٍ قصيرٍ لكسْر قيد المرآة، ومقابلة الصوت بالصوت؛ دعمًا لتعددية الرؤى ومشاركةً في فاعلية الحوار.
وألخِّص رأيي في التعديلات الدستورية- بعد مطالعة آراء الكثيرين من فقهاء الدستور والقوى السياسية والمجتمعية والمثقفين وغيرهم- في خمس "تكات":
"التكة" الأولى: تكريس السلطة، وذلك من خلال:
- إلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، بما يعني ضمان التزوير لصالح السلطة- مادة 88.
- إطلاق يد النظام في تفصيل النظام الانتخابي الذي يخدم مصلحته- مادة 62.
- إطلاق يد النظام في اختيار منافسيه بالإبقاء على القيود الخاصة بترشيح المستقلين وحدهم- مادة 76.
- الإقصاء الدستوري لمعظم التيارات السياسية المعارضة للنظام الحالي بموجب المادتين
(5 و76).
- عدم المساس بالمادة 77 الخاصة بمدة رئاسة الدولة.
- حق رئيس الجمهورية في حلِّ مجلس الشعب- المنتخَب من الشعب- دون استفتاء الشعب.
"التكة" الثانية والثالثة: "تكديس" الثروة و"تكدير" معيشة المصريين، وذلك بإطلاق يد الرأسمالية المتوحشة لاحتكار السلع والخدمات، والتحكُّم في سوق العمل، وبالتالي عودة الإقطاع ومزيد من الثراء للأثرياء ومزيد من الفقر للفقراء، وكذلك إطلاق يد النظام في بيع ما تبقَّى من أصول وممتلكات الشعب دون الحق في الاعتراض أو إبداء الملاحظة من خلال:
- إلغاء كل ما يخص الاشتراكية والسلوك الاشتراكي والمكاسب الاشتراكية وتحالف قوى الشعب العاملة (في 13 مادة).
- عدم تحديد النظام الاقتصادي للدولة.
- إلغاء المدعي العام الاشتراكي ومحكمة القيم.
"التكة" الرابعة والخامسة: تكبيل "الحريات و"تكفين" المواد الخاصة بها، وذلك من خلال إضافة نص في المادة 179، هذا النص يقوم بعمل الشرطي والحانوتي في آنٍ واحدٍ، فهو يطلق يدَ الشرطة في القبض والتفتيش، وانتهاك حرمة البيوت والمساكن والحياة الخاصة، والتنصُّت ومراقبة المكالمات والمراسلات دون اشتراط إذن قضائي؛ مما يعني اعتقال المواد 41 و44، 45، وهي المواد التي تمثل دُرَرًا تزيِّن صدر الدستور الحالي، كما يعني عمليًّا أيضًا تكفين هذه المواد دون الإذن بدفنها!!
هذه "التكات" الخمس السريعة بين يدَي الشعب المصري العظيم، الذي يظل يملك الكلمة الفصل- كمصدر للسلطات ومصدر للشرعية- في التمييز بين ما يحقق مصالحه وتطلعاته وما يهدِّد حاضره ومستقبله، فهو صاحب "التكة" الأخيرة في تكريم ما يستحق التكريم، ورفض ما يستحق الرفض، وفي انتظار كلمته.
-------
* عضو مجلس الشعب.