طالب نحو مائة شخصية علمانية في نداء وجَّهوه لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب والشورى بتعديل المادة الثانية من الدستور والخاصة بالشريعة الإسلامية؛ لأنها تتناقض- بزعمهم- مع مبدأ المواطنة وتتجاهل أقباط مصر.

 

والحقيقة أن المرء يَحار في فهْم أولئك العلمانيين، فرغم أنهم ليسوا بالكثرة إلا أنهم استطاعوا في الفترة الأخيرة وبقرارٍ من الحزب الحاكم أن يستولوا على أجهزة الإعلام في مصر ويسخِّروا أنفسَهم لحملةٍ شرسةٍ ومشبوهةٍ ضدَّ كلِّ ما هو إسلاميٌّ، وخاصةً الإخوان المسلمون، وأصبحت برامج مثل "البيت بيتك" وغيرها ساحةً لتجمُّع العلمانيين الكارهين لكل ما هو إسلامي، وكانت الضجّة التي كلَّفوهم بإحداثها حول الشريعة الإسلامية مناسَبة تجلَّت فيها قدرتُهم التزويريةُ، من خلال تناولهم لمبدأ المواطنة، وتحوُّل الأقباط إلى مواطنين من الدرجة الثانية، وكأنهم اكتشفوا عصا موسى التي ستُبطل السحرَ الإسلاميَّ.

 

وإذا كان التكرار أحيانًا يعلِّم "الشطار" من العلمانيين فإننا نكرر ونقول إن الشريعة الإسلامية لن تكون سوى قانونٍ عامٍّ يطبَّق على الجميع بمساواةٍ وعدالةٍ، من خلال قضاءٍ حرٍّ ومستقلٍّ ونزيهٍ، دون افتئاتٍ على أحد، والشريعة لا تعني أن الإسلام كدين سيُفرَض على الأقباط، وإذا كانت تعني ذلك فيحقُّ للمسلمين أن يحتجُّوا بأن فرْضَ القوانين الغربية عليهم والمستمدَّة من تصوُّرات مسيحية غربية يعني فرض الكاثوليكية عليهم.

 

أما عن إشاعة القيم الإسلامية في المجتمع ومؤسساته فلا نظنه مما يُغضِب الأقباطَ أو يحوِّلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية، ولا نعتقد أن نشْرَ الفساد والتفكُّك والإباحية أو السرقة والنهب وضياع كرامة وحقوق الإنسان سيحوِّل الأقباط إلى مواطنين من الدرجة الأولى.

 

إن الأقباط أصحابُ دينٍ سماويٍّ، وليست هذه القيم بالغريبة عنهم، ولا نظنهم يفضِّلون التغريب على أن تسودَ هذه القِيَمُ مجتمعَنا إذا جاءت عن طريق الإسلام، وصياغة الفكر والثقافة والإعلام والتعليم بالمرجعية الإسلامية لا تعني أن الأقباط سيتحوَّلون إلى الإسلام؛ لأنهم مكثُوا على دينهم أربعة عشر قرنًا في ظل حكم إسلاميٍّ ولم يُفرض عليهم الدين في مجتمع كان الدين يحكم ثقافته وفكره وممارساته، ولا نظن أن الأقباط يفضِّلون سيادة قيم الأجانب والمستعمرين لمجرد أنهم يكرهون الإسلام، وهذا هو ما يروِّج له اللا دينيون والعلمانيون الذين يحملون أسماءً إسلاميةً.

 

إن رسالة العلمانيين التي تفيض حبًّا في المواطنة والخوف عليها إنما هي كلمةُ حقٍّ يراد بها باطل، وفزَّاعة الإسلام.. وحكم الشريعة.. ووصول الإخوان للحكم.. وإقصاء الأقليات والأقباط لا تنطلي على أحد، فقد أعلن الإخوان برنامجهم السياسي، وبيَّنوا موقفَهم من المواطنة والأقباط في مبادرتهم للإصلاح في مارس 2004، والتي أعلنوا فيها أن الأقباط جزءٌ من نسيج المجتمع المصري، وأنهم شركاءُ الوطن والمصير، وأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأن حرية الاعتقاد والعبادة محترمة للجميع.. هذه المبادرة كافيةٌ لسدِّ أفواه العلمانيين والكارهين للإسلام.

 

إن الإنسان تصيبه حالةٌ من الذهول لما يردِّده أولئك المُرجِفون عن الأقباط، فهل حرَمَتْهُم الشريعة من العمل أو التعلُّم أو الكسب أو التملُّك أو التنقُّل؟! وهل تسبَّبت في إهانة حرياتهم وكرامتهم واستباحة أعراضهم؟ الإجابة بالنفي كما يعلم الجميع، هل سيُعزلون عن المسلمين ويرحَّلون إلى مناطق منعزلة "كالجيتو" والمستعمرات كما حدث لليهود وسط مسيحيِّي الغرب، وللزنوج وسط المسيحيين البيض في جنوب إفريقيا؟! هل سيُبادون كما أُبيد المسلمون في الأندلس وغيرها من بلاد أوروبا؟! ما الهدف إذن من وراء الإثارة الكاذبة لمثل هذه القضية؟!

 

إن الأقباط ليسوا إلا مواطنين مصريين، يعيشون مع مواطنين مصريين آخرين هم المسلمون، والذين يشكِّلون غالبيةَ سكان البلاد، ومن حقِّ الأغلبية أن تَحكمَ دون الإخلال بقاعدة المساواة بأيِّ حالٍ، وهذا هو الأساس الذي قامت عليه الديمقراطيات الغربية والأمريكية، والتي صاغت القضية في التعبير الشائع (حكم الأغلبية وحقوق الأقلية)  Majority rule, Minority rightsولا يوجد أى تعارض بين حق الأكثرية المسلمة وحق الأقلية غير المسلمة، فالمسيحي الذي يقبل أن يُحكَم علمانيًّا لا دينيًّا لا يضيره أن يُحكم إسلاميًّا، وفي ظل حكم الشريعة الإسلامية الذي عرفته البلاد في أطول فترات تاريخها والذي لم يُضرب إلا في ظل الاستعمار الأجنبي الأوروبي لن يكون هناك تغييرٌ ولا عزلٌ لفئة قبطية أو غير قبطية، اللهم إلا لأعداء الإسلام الصريحين من الملاحدة أو عملاء الغرب.

 

إن الإمَّعات الذين انطلقوا في الصحف الحكومية وغير الحكومية وعلى شاشات الفضائيات يتباكون على الأقباط وما سيحدث لهم من مآسٍ نقول لهم: وفِّروا دمعةً لمصير المسلمين الذين أنتم محسوبون عليهم ولو بمجرد الأسماء، وقبل أن تتحدَّثوا عن اضطهاد وهمي للأقباط..

 

تحدثوا عن الاضطهاد الواقع على غالبية الشعب المصري، من فساد، وسرقة، وبطالة، وغلاء!!

 

تحدثوا عن آلاف الشباب المودَعين في السجون والمعتقلات منذ عشرات السنين بتهمة الإسلام!!

 

تحدثوا عن المحاكم العسكرية التي تجري للإخوان المسلمين دون غيرهم، وتلفيق التهم الكاذبة بغسيل الأموال والحَجر على أموال الأطفال والقصَّر!!

 

تحدثوا عن ترويع الآمنين وهجمات الأشاوس من ضباط أمن الدولة على بيوتهم، واقتيادهم إلى السجون والمعتقلات دون جريرة أو ذنب!!

 

أليس كل هذا اضطهادًا، ومع ذلك فقد عمي الإمَّعات عن ذلك وسكتوا عنه، وصاروا باكين خائفين على المواطنة ومصير وحقوق الأقليات والأقباط، نقول لهم: تباكَوا أولاً على مصير الأغلبيات التي أنتم منها بالاسم، والتي لم تصبح أغلبياتٍ، ليس بفضل تحديد النسل، بل بفضل التفكُّك والتشتُّت وفقدان الهويَّة والعقيدة والشعور بالهوان.

 

إن رفع ورقة المواطنة وحقوق الأقباط في وجه الشريعة الإسلامية ليس أكثرَ من حيلةٍ لا تنطلي على أحد، ولا يمكننا أن نظلَّ أبد الدهر مواجَهين بهذه الحجة الزائفة، مردِّدين نفس الكلمات عن تسامح الإسلام.. إلخ.

 

إن هذا لن يجديَ شيئًا لأن من يرفعون هذه التهمة في وجوهنا لا يريدون المعرفة بل الفتنة والطعن والإثارة.