بعد أن اتفقت فتح وحماس في مكة المكرمة على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية ظنَّ كثيرون أنَّ المعضلةَ في الداخل والخارج قد حلت, والسبب في هذا الانطباع هو ما تمَّ الترويج له بشكلٍ خفي من أنَّ الانتقال من حكومة حماس إلى حكومة كل الفصائل أو كل التيارات الفلسطينية التي يتم تهميش حماس فيها أو في أحسن الفروض عدم منح حماس الكلمة الفصل في قراراتها سوف يؤدي جزئيًّا إلى إبعاد حماس عن المجرى الرئيسي للسياسة الفلسطينية، وسوف يمكن ذلك أبو مازن من أن يتعاون مع حكومةٍ متنوعة تكون أقرب إلى الأطروحات التي يتبناها, ومن ثم يتحقق للشعب الفلسطيني وفقًا لهذا الطرح ثلاثة فوائد:-

الفائدة الأولى: هي وقف القتال بين أبناء الشعب الواحد.

الفائدة الثانية: رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.

الفائدة الثالثة: هي فتح الطريق إلى محادثات جدية قد تؤدي إلى سلامٍ ممكنٍ أو مناسبٍ مع الصهاينة.

كما تمَّ التركيز على فرضية غير مباشرة، وهي أنَّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" ترضيان عن هذا الخيار، وهذا هو السبب الحقيقي على الأقل من الناحية الشكلية في تركيز أبو مازن على حكومة الوحدة الوطنية لدرجة أنه خيَّر حماس بين هذا الشكل من الحكومات واستحث الفصائل الأخرى للضغط على حماس, وبين إجراء انتخابات مبكرة.

 

وكان قد قدَّم قبل ذلك وثيقة الأسرى التي ضغط بها على حماس لتقبلها وهدد بإجراء استفتاء عليها إذا لم تقبلها كاملةً وتبرز فيها أنَّ القضية الفلسطينية تبدأ منذ عام 1967 وليس منذ عام 1948م.

 

بعبارةٍ أخرى فإن الموقف الأمريكي والصهيوني الذي استدرج أبو مازن نحو حكومة الوحدة الوطنية كان يهدف إلى أمرين: الأول هو إذكاء الصراع مع حماس حول هذا الموضوع, لعله يودي بالساحة الفلسطينية, والثاني تحميل حماس مسئولية كل المآسي التي تحدث لهذا الشعب من تجويعٍ وحصارٍ وإذلال ثم قتال داخلي وضياع للحرية على صخرة التعنت الحماسي.

 

أما القراءة الخارجية للمشهد الفلسطيني فكانت تشير إلى أن فتح وأبو مازن ينفذان برنامجًا منسقًا مع الصهاينة وأمريكا الهدف منه إزاحة حماس من الساحة السياسية، وهذا الخط الصهيوني كان معلنًا منذ البداية على أساس أن تولي حماس بإرادة الشعب الفلسطيني لرئاسة الحكومة وأغلبية المجلس التشريعي كان تحديًا للكيان الصهيوني بما تمثله حماس أكثر من كونه نتيجة تلقائية لعملية ديمقراطية شفافة.

 

والحق أنَّ الرهان على أن حماس وفتح لن يتفقا كان يُشكِّل جوهر الخطة الصهيونية الأمريكية، وأنَّ الخطةَ كان تقضي بأن تشتعل الساحة الفلسطينية فينفض الفلسطينيون أيديهم من كلِّ زعاماتهم ويقبلون باحتلالٍ صهيوني كامل ما دام القادة الوطنيون قد عجزوا عن إدارة شئونهم, وفي هذه الحالة يجد الكيان ذريعةً لتجريد الشعب الفلسطيني بأكمله من أهليته لحكم نفسه بنفسه لكي يؤكد أن الاحتلال الصهيوني هو المنطق الطبيعي لشعبٍ مُنح الفرصة وضيَّعها، ولكي تقول أيضًا أن عملية السلام تحتاج لشريكٍ فلسطيني، وأن الشعب الفلسطيني غير المؤهل ليس قادرًا على إنتاج أي قيادة مسئولة تكون شريكًا في عملية السلام.

 

هذه التركيبة التآمرية التي اختلطت فيها خيوط فلسطينية ودولية مع الخطوط الصهيونية والأمريكية وتآمرت فيها بشكلٍ مباشر اللجنة الرباعية الدولية وبشكل أذهل كل المراقبين، وأظهر أنه إذا كانت الرباعية الدولية تُمثِّل المجتمع الدولي فسلام على هذا المجتمع الدولي, وأنه من العار أن يجتمع الكبار لكي يضيعوا حقوق الصغار, واتضح أن الرباعية تعمل لدعم الموقف الصهيوني بنفوذ أمريكي وليس لإنصاف الشعوب المغلوبة على أمرها كالشعب الفلسطيني.

 

ولم تكن مفاجأةً أن الموقف الأمريكي والصهيوني  كان حادًّا في رفض نتائج اتفاق مكة، ولكن الغريب هو أن المتابعة الأمريكية لهذه القمة لم تظهر ما ظهر بعد ذلك من مواقف بدت وكأنها تعكس ارتباكًا خطيرًا في القرار الأمريكي.

 

فقد ثبت أن الولايات المتحدة عندما اشترطت أن تكون هناك ديمقراطية في فلسطين لم تكن جادة في هذا الشرط, وعندما اشترطت أن تقبل حماس الاعتراف بـ"إسرائيل" حتى يرفع الحظر الدولي عن الشعب الفلسطيني لم يكن ذلك شرطًا وإنما كان ذريعةً لسحق هذا الشعب بذريعة أن حماس لا تُضحي من أجل مصالحه، وأن هذا التطرف في مواقفها كلَّفهم الكثير، وأنها إذا كانت قد حازت على أغلبية الناخبين من الناحية النظرية فإن أداءها يجب أن يخيب ظنهم في قدرتها على نفعهم.

 

وقد يقول قائل: لماذا لا تتدخل الولايات المتحدة لكي تحبط اتفاق مكة وتضغط على السعودية حتى لا تقدم على هذه المبادرة التي لم يكن يتوقع أحد أنها ستأتي بثمار نافعة؟.

 

والرد أن الولايات المتحدة يبدو أنها لم تكن تتوقع نجاح السعودية في التوصل إلى هذا الاتفاق أو أنها لم تدرك إلا مؤخرًا تداعيات هذا الاتفاق, وأن واشنطن ظنت أن الاتفاق سيكون خطوةً لزحزحة موقف حماس خدمةً لموقف أبو مازن الذي عهد إليه بكل الأوراق وبالتفاوض مع الصهاينة ولم يعترض أحدٌ على احتمال أن يعترف مرةً أخرى بـ"إسرائيل" إذا كان الاعتراف مطلوبًا حقًّا لذاته وليس شرطًا كذريعةٍ لوضع العقبات ضد أبو مازن وحكومته الجديدة.

 

وقد أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية ضعفها الشديد كقوةٍ عملية, واستلاب إسرائيل لقدرة واشنطن على التفكير والتصرف فعمدت إلى رفض نتائج الاتفاق جملةً وتفصيلاً وكأنها تقول للفلسطينيين يجب أن تعودوا للحرب الأهلية، ويجب أن تُصفَّى القضية الفلسطينية على أيديكم، وأنه لا يجوز لأبو مازن الذي أحسنت واشنطن الظن به أن ينحاز للمصلحة الفلسطينية الحقيقية.

 

أظهرت واشنطن أيضًا أن الفلسطينيين الذين يتوحدون على عملٍ مشترك خاصة لوقف القتال بينهم يتعارض مع السياسة الأمريكية، وربما يفشل خطتها في إشعال الساحة الفلسطينية.

 

وقد تساءلنا إن كان أبو مازن قد أسقط الرهان الأمريكي عليه، وأن إصلاحه وإعادته إلى الحظيرة الأمريكية قد فات أوانه وأنه يجب تغييره, ولكن الصعوبة هي في البحث عن شخصية مقبولة فلسطينيًّا يمكن أن تقوم بالدور المطلوب أمريكيًا و"إسرائيليًّا".

 

ولذلك فإنه ليس مبالغة في شيء أن نقول إن السياسة الأمريكية في فلسطين قد أفلست ولم يعد أمامها سوى محمد دحلان الذي بصرف النظر عمَّا يمثله يعتبر شخصيةً خلافيةً ومثيرةً للجدل في الساحة الفلسطينية, فقد وصلت السياسة الأمريكية المعلنة على الأقل من الناحية اللفظية إلى طريقٍ مسدودٍ.. فما المخرج من هذا المأزق؟

 

الفلسطينيون يصرون على أنَّ حكومةَ الوحدة الوطنية خيار فلسطيني بقطع النظر عن إمكانية تسويق هذا الخيار دوليًّا.. فهل هذا الخيار مفيد في ذاته لوأد الفتنة الداخلية بغض النظر عن أن مثل هذا الخيار يمكن أن يُرضي الآخرين حتى يرفع الحظر عن الشعب الفلسطيني.

 

هناك أسئلة كثيرة تثور في الخاطر كلما قرأنا المشهد الفلسطيني الذي لم نكن نظن مطلقًا أن كونداليزا رايس سوف تنجح في تحريكه لسببٍ بسيطٍ، وهو أنَّ أبو مازن كان قد اختار الجانب الفلسطيني، وأن إعادته مرةً أخرى إلى بيت الطاعة الأمريكية لم يعد ممكنًا؛ بل إنَّ السعي إليه صار محرجًا, فهل أصبح اتفاق مكة محسوبًا على الشعب الفلسطيني ما دام لم يؤدي ما كان مرغوبًا فيه، وهو رفع الحظر عن الشعب الفلسطيني، فيضاف اتفاق مكة كإنجازٍ وطني إلى الانتخابات الحرة التي أتت بحماس للسلطة، وكلتاهما نقمة على الشعب الفلسطيني لأنهما يقفان غصة في حلق إسرائيل والولايات المتحدة؟؟.

 

وإذا كان ذلك صحيحًا فكيف تبرر روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة هذا الموقف المخزي في اللجنة الرباعية؟ بل كيف تبرر اللجنة الرباعية استمرارها في دعمها للظلم ومناهضة العدل؟ وما الفرق بينها وبين الولايات المتحدة والكيان إلا أن تكون هذه اللجنة شكلاً وغطاءً عالميًا لمساندة الظلم الأمريكي والصهيوني.

 

إنني بهذه السطور أناشد العالم العربي والإسلامي أن يقرأ الموقف الأمريكي والصهيوني قراءةً دقيقةً، ولا أظن أنَّ المراقب الدقيق لهذا الموقف سوف يختلف معي فيما أبديته من خلاصات، وهي أنَّ الولايات المتحدة ليس لديها مشروع سياسي في المنطقة، وليس لديها رؤية سوى ترديد هذه المقولة المكرورة وهي: الحل على أساس دولتين, وأنها عندما تكرر ذلك فإنها تقول من وراء قلبها وتفعل العكس تمامًا لإحباطها.

 

فماذا بقي للعالم العربي حتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة؟ وكيف يبرر العالم العربي أن مجرد خيار حكومة الوحدة الوطنية حتى قبل أن تتشكل قد آثار الاضطراب لدى واشنطن وتل أبيب؟ وهل صحيح أن العالم العربي يحاول أن يُرضي الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ وذلك من خلال القمة العربية القادمة في الرياض ما دامت السياسة هي فن الممكن وليست هي الحلول العادلة أو المثالية؟.

 

أرجو ألا يقرأ العالم العربي المشهد قراءةً مقلوبةً كما فعل في جميع المشاهد الأخرى؛ حيث خلص العالم العربي إلى أن الديمقراطية في فلسطين محسوبة على أهلها تطبيقًا لحديث الرسول الكريم: "ذكاء المرء محسوب عليه", وهو حديث فُسِّر تفسيرًا حرفيًّا في العالم العربي رغم أن الرسول الكريم يتحدث لكل المجتمعاتِ ولكل العصور، ولا يمكن أن يكون ذكاء المرء نقمة عليه كما لا يمكن أن يكون اتفاق مكة بما يمثله من إرادة عربية تمثلت في الموقف السعودي والموقف الفلسطيني الذي أدرك مخاطر الانزلاق نقمة على الشعب الفلسطيني الذي ظنَّ أنَّ محافظته على وحدته الوطنية هي هدف نبيل تنشده الولايات المتحدة أيضًا من خلال تصريحاتها النظرية.

 

وترجمة ما أشرت إليه يجب أن تكون محددة، وهي أن يبادر العالم العربي إلى رفع الحظر عن الشعب الفلسطيني، وأن يعلن تأييده بالكامل لاتفاق مكة، وأن يحتضن القضية الفلسطينية كما كان في السابق، وأن يرعى حكومة الوحدة الوطنية ما دامت حكومة حماس قد سببت حرجًا لبعض الأوساط في المنطقة.