فهمي هويدي

في أثناء الجدل الصاخب الذي يدور حول الشأن الداخلي المصري منذ بداية العام, ارتكب عددٌ غير قليل من المثقفين والإعلاميين خطيئتين, أولاهما أنهم شغلوا الناس بهواجس السلطة وأطروحاتها, وتجاهلوا مشكلات المجتمع الملحة.. ثانيتهما أنهم حين انخرطوا في هجاء الإخوان فإنَّ سهامهم تجاوزت الحدود حتى جرحت الإسلام ذاته.
(1)
ذات مساء اتصل بي هاتفيًّا أحد الجيران, ممن يتصورن أنَّ الصحفيين يعرفون ما لا يعرفه الآخرون, وسألني: ماذا يعني مصطلح المجتمع المدني؟ أدركت لأول وهلةٍ أنَّ الأمرَ التبس عليه, لأنني أعرف أنه مهندس مدني، وقبل أن أُجيب استطرد قائلاً إنه سمع مذيع التليفزيون يستهل برنامجه قائلاً بوقارٍ شديد: إن المجتمع المدني هو حلم كل مواطن مصري, ومضى يشرح خطورة فكرته, مشددًا على أنه بغيرِ مجتمعٍ مدني فإنَّ مصر لن تقوم لها قائمة وسترجع قرونًا إلى الوراء.
أضاف محدثي الذي لم يتح لي فرصة الرد أو التعقيب, قوله إن المذيع كذَّاب, وإنه هو وأسرته وأصدقاؤه يحلمون بأشياء مختلفة تمامًا, تتراوح بين مواجهةِ الارتفاع المستمر في أسعار السلع الضرورية, وبين أعباء الدروس الخصوصية, التي فرضت على أسرته حالةً من التقشف لم تعرفها طيلة الثلاثين عامًا الماضية.
دفعني الفضول إلى متابعة الحلقة, فوجدتُ أنَّ البرنامجَ شارك فيه عددٌ من المثقفين, الذين تناوبوا الحديثَ عن خطر الدولة الدينية, ورفض المرجعية الدينية وأهمية إصدار قانون لمكافحة الإرهاب, كان واضحًا أن الحلقة مخصصة أصلاً لمناقشة التعديلات التي اقترح الرئيس مبارك إدخالها على الدستور المصري؛ لأن المذيع سأل أحد المثقفين المشاركين عن رأيه في التعديل المقترح للمادة 76 الخاصة بشروط الترشيح لرئاسة الجمهورية, ووعد في نهاية البرنامج باستكمال مناقشة بقية التعديلات في حلقةٍ قادمة (بعدما داهمنا الوقت).
لم يكن البرنامج استثنائيًّا, ولكنه كان من أصداء حملةِ التعبئة والحشد التي تبنَّتها وسائل الإعلام المصرية طيلة الأسابيع التي خلت, في التليفزيون والإذاعة والصحف القومية بوجهٍ أخص- حتى بات قارئ صحف الصباح يستقبل كل يوم سيلاً من التحليلات والتعليقات التي تدور حول المحاور ذاتها, سواء التعديلات التي اقترحها الرئيس مبارك على الدستور, أو الإجراءات التالية التي اتخذتها السلطة لتوفير الظروف المواتية لتمريرها.
(2)
ظلت ملاحظة جاري تلاحقني طوال الوقت, الأمر الذي دفعني إلى المقارنة بين خطاب المثقفين والإعلاميين وبين هموم الناس التي يُعبِّرون عنها فيما أتلقاه من رسائل يرتفع فيها صوت الأنين والشكوى حينًا بعد حين، لم أكن بحاجةٍ إلى مَن يُنبهني إلى أنَّ القضايا الكبيرة التي يتحدث عنها المثقفون قد يكون بعضها مهمًّا حقًّا لحياةِ الناس ومصائرهم, وفكرة المجتمع المدني نموذج لذلك, إلا أنَّ تلك القضايا بعناوينها المهيبة إذا لم تُترجم إلى واقع يضيف شيئًا إيجابيًّا ونافعًا إلى حياة الناس، فإنها تفقد رنينها وجدواها, وتتحول إلى ضجيج قاهري بامتياز, يحتفي به المثقفون ويلوكونه في منتدياتهم, التي يتحدثون فيها إلى أنفسهم.
صحيح أنَّ تعاظم هموم الناس من سمات العالم الثالث, لكن يظل هناك فرق- حتى في العالم الثالث- بين مجتمعات تعشش فيها تلك الهموم وتستوطن, وربما تتزايد بمضي الوقت, وأخرى لم تفقد الأمل في التغلب عليها, وثالثة تدفن رؤوسها في الرمال, مدعيةً أنها تعيش أزهى عصورها.
أحتفظ بحزمة خطابات كنتُ قد تلقيتها عقب نشر مقالةٍ لي كان عنوانها "اللا معقول في بر مصر 31/10/2006م تحدثتُ فيها عن بعض صور المعاناة التي تثقل