انتهت المفاوضات في الملف النووي الكوري الشمالي التي عُقدت في بكين بنتائج تخالف تمامًا ما كان يتوقّعه المراقبون عند بدء هذه الجولة من المحادثات، رغم أن هناك الكثير من المؤشرات التي كانت تُظهر أن كوريا الشمالية والولايات المتحدة مستعدتان لدرجة معينة من المرونة، وقد أعلن في ساعة مبكرة من صباح يوم 13/2/2007م أن هذه المفاوضات قد أسفرت عن اتفاق لم يعلق عليه البيت الأبيض إلا بعد عدة ساعات؛ حيث أكد المتحدث باسم البيت الأبيض سعادته الفائقة بهذا الاتفاق، وأنها نصرٌ للدبلوماسية الأمريكية، وحذَّر من أن عدم تنفيذ كوريا الشمالية التزاماتها في هذا الاتفاق سوف يؤدي إلى استمرار العقوبات الدولية عليها.
ويتضمن الاتفاق الذي توصَّلت إليه الدول الست صفقةً شاملةً تتضمن ثماني نقاط:
النقطة الأولى: تتعهد كوريا الشمالية بأن تغلق خلال 60 يومًا مفاعلَها النووي الرئيسي في يونج بيونج في المجمع النووي الكوري؛ تمهيدًا لتخلي كوريا الشمالية عن طموحاتها النووية.
النقطة الثانية: التزام كوريا الشمالية بالسماح للمفتشين الدوليين بالتحقق من إغلاق الموقع النووي.
النقطة الثالثة: تقدم كوريا الشمالية بيانًا كاملاً ببرامجها النووية وتتعهَّد بإبطال مفعولها في كل المحطات الحالية.
مقابل هذه الالتزامات الثلاثة تضمَّنت النقاط الرابعة حتى السابعة المقابل لهذا الالتزام، وهو حصول كوريا الشمالية على الطاقة والغذاء والمعونات الأخرى، بما يقدَّر بحوالي 950 ألف طنّ من النفط الثقيل، على أن يتم مناقشة تفاصيل المعونات في الجولة التالية من المفاوضات في 19/3/2007م.
كذلك يقدم الاتفاق عددًا من الحوافز الدبلوماسية والسياسية لكوريا الشمالية، وتلتزم الولايات المتحدة ببدء محادثات ثنائية لتطبيع العلاقات الكورية الأمريكية، ورفع اسم كوريا الشمالية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورفع العقوبات التجارية الأمريكية، دون الإشارة إلى العقوبات الدولية المفروضة بقرار مجلس الأمن، ودون تحديد جدول زمني لهذا الالتزام, كذلك تضمَّن الاتفاق أن تبدأ محادثاتٌ مماثلةٌ بين اليابان وكوريا الشمالية لتطبيع العلاقات.
أما فيما يتعلق بالضمانات الأمنية وخاصةً إبرام اتفاق بعدم الاعتداء المتبادل بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة فإن الاتفاق قدَّم حلاًّ بديلاً، وهو أن يتم عقد مؤتمر دولي بعد 60 يومًا من إبرام الاتفاق، تشارك فيه جميع الدول التي كانت أطرافًا في اتفاقيات جنيف عام 1953م، والتي أنهت الحرب في شبه الجزيرة الكورية على أن يقوم هذا المؤتمر بإنشاء آلية جديدة للسلم في جنوب شرق آسيا.
وأخيرًا تضمَّن الاتفاق إنشاء خمس مجموعات عمل لهذه الموضوعات الخمسة، وهي: نزع سلاح كوريا الشمالية النووي, العلاقات الكورية الأمريكية, العلاقات اليابانية الكورية, التعاون الاقتصادي, ولجنة آلية الأمن والسلام في جنوب شرق آسيا، ولا شكَّ أن هذا الاتفاق قد رحَّب به العالمُ كله، على أمل أن يزيل بؤرةً خطيرةً من بؤر التوتر والتهديد للأمن العالمي.
ولكن الاتفاقَ يُثير عددًا من المسائل المهمة:
أولها الأسباب التي دفعت كوريا الشمالية والولايات المتحدة إلى هذا القدْر من التقارب الذي سمح بإبرام الاتفاق، رغم تباعد المواقف نتيجةَ عدم الثقة التي تشعر بها كوريا الشمالية تجاه الولايات المتحدة؟!
يبدو أن هناك عددًا من الضمانات التي قدمتها الصين وروسيا لطمأنة كوريا الشمالية بأن الولايات المتحدة لن تقوم على الأقل بمهاجمتها، وأن فكرة تدمير المنشآت النووية الكورية ليست واردةً في الاستراتيجية الأمريكية.
أما المسألة الثانية فهي أن الاتفاق يعكس رغبة واشنطن في تهدئة كل الساحات حتى تتفرَّغَ للمواجهة مع إيران، ومعنى ذلك أن واشنطن قدَّمت تنازلات حتى يتسنَّى إبرام هذا الاتفاق، وأنها قد لا تكون جادَّةً في تنفيذه بعد ذلك؛ مما يشير إلى احتمال تعثُّر الاتفاق، ولكن بعد أن يكون قد أدى هدفه وهو تفرغ الولايات المتحدة لإيران.
المسألة الثالثة هي أن هذا الاتفاق يعتبر بالفعل انتصارًا للدبلوماسية الأمريكية، ولكنه يعتبر بشكل أكبر انتصارًا للدبلوماسية الصينية وكذلك لكوريا الشمالية.
المسألة الرابعة هي أن هذا الاتفاق حتى لو كان اتفاقًا تكتيكيًّا من وجهة أمريكية فإنه سوف يؤدي إلى آثارٍ إيجابيةٍ في المنطقة، وخاصةً فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني.
صحيحٌ أن الملفَّين- الكوري والإيراني- لهما خصوصياتٌ مستقلةٌ، ولا يجمع بينهما سوى أنهما يناهضان الولايات المتحدة، وأن كوريا الشمالية وإيران تقعان في منطقة مختلفة لها حسابات متفاوتة، إلا أن هذه التسوية قد تعدُّ نموذجًا لما يمكن أن يقدم لتسوية الأزمة النووية الإيرانية، ولكن هذا الافتراض يقوم على افتراضين آخرين: الأول هو أن الولايات المتحدة تريد تسوية الملف النووي الإيراني تسويةً سلميةً؛ لأن "إسرائيل" تلحُّ على إزالة القدرات النووية الإيرانية بطريقة عسكرية؛ لأن الاتفاق مع إيران سوف يعني التسليم لإيران بدور إقليمي، كما أن مثل هذه التسوية سوف تسمح بوجود أطراف ثلاثة رئيسية تتحكَّم في المنطقة، وهي إسرائيل، وإيران، والولايات المتحدة.
أما الافتراض الثاني فهو أن الولايات المتحدة لم تتساهَل في الملف الكوري لتحييد العوامل الأخرى التي تصرفها عن المواجهة مع إيران، ورغم كل ذلك فإن الآثار الإيجابية لهذا الاتفاق وتحمُّس الصين وروسيا لتطبيقه على الملف النووي قد يكون عاملَ ضغطٍ جديدًا على الولايات المتحدة في إطار مساعيها في مجلس الأمن ضد إيران؛ حيث تمكنت الدولتان من تحجيم الاندفاع الأمريكي في المجلس؛ بحيث خرج قرار العقوبات على إيران قرارًا ليِّنًا؛ وذلك بسبب المصالح الاقتصادية الكاسحة لكلٍّ من الدولتين لدى إيران ولفترة زمنية مقبلة تصل ربع قرن.
من ناحية أخرى لا شكَّ أن هذا الاتفاق قد نزع فتيلَ أزمةٍ طاحنةٍ، وخصوصًا الأزمة الصامتة بين الولايات المتحدة واليابان؛ لأن اليابان بدأت تدرك أن الحماية النووية الأمريكية لها ليست فعَّالة، وأن البديل هو التسلح النووي الياباني، وهو أمرٌ مخيفٌ بالنسبة للولايات المتحدة، ويذكِّرها بهواجس الحرب العالمية الثانية، خصوصًا أن هناك شعورًا انتقاميًّا لدى اليابانيين مما حدث لهم وإدراك الولايات المتحدة قد يؤدي إلى التقارب بين الصين واليابان ويغيِّر من حسابات القوى على المسرح الآسيوي.
وأخيرًا فإن هذا الاتفاق لا بد أنه خيَّب أملَ إيران التي كانت تعوِّل كثيرًا على التضامن الكوري معها في أية مواجهة مع الولايات المتحدة، ولا بد أن إيران سوف تُعيد حساباتها على هذا الأساس.