الصورة غير متاحة

 سيد نزيلي

عندما تشتد المحن وتزداد الابتلاءات وتعلو نبرات العنف أو التهديد به، وعندما تخرج المنافسة من حيز الحجة بالحجة والرأي بالرأي.. توصلاً للبرامج الإصلاحية والرؤى الخلاقة التي من شأنها رفع شأن الأمة، والوصول بها إلى غدٍ أفضل نتنسم فيه هواءَ الحريات العامة.. ونفرح بزوال قانون الطوارئ ويعيش الناس- كل الناس- أحرارًا في وطن حر.

 

وعندما تتوقف حالة الحوار- لا الخوار- وتصمت الكلمات.. وتخرس المناقشات وتزول حرية الرأي.. ولا تتم المشاركة في المصير والمستقبل.. ثم يتم في الوقت نفسه استعمال العصا الغليظة.. والرأي العنيف والسجون المفتوحة.. والمعتقلات المُشْرَعة الأبواب.. والاتهامات الجاهزة.. والمحاكمات العسكرية.. التي كنا نتمنى أن تزول إلى الأبد وينعم الناس بالوقوف أمام قاضيهم الطبيعي عند توجيه الاتهامات أو ارتكاب الخطأ.

 

..عند ذلك..

ليس أمام الإخوان إلا الصبر.. بل الصبر الجميل.. فهو يُكسب النفس راحةً واطمئنانًا أمام الشدائد.. ويتم به تجاوز التوتر والغضب.. ويتحول ذلك كله إلى التفويض المطلق لله رب العالمين.. فهو سبحانه العليم المطلع على قلوبِ عباده- الذي يعلم السر والعلانية ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (طه: من الآية7) ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح: من الآية 18).

 

وأمام هذه الموجة الشديدة من استعمال القوة أمام مَن لا يملك أسبابها بل لا يريدها.. ولا يُفكِّر في استعمالها.. ولا يتمنى ذلك.. ولا تدخل في برامجه ولا في سياسته التربوية والنفسية.. ولا يُفكِّر أصلاً وابتداءً في إبداء أي لون من المقاومة أو حتى النزول السلمي إلى الشارع أو حتى الحارة والزقاق.

 

آنَ لنا أن نلوذ بهذه التوجيهات الربانية: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 89) ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (ابراهيم: 12) ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (غافر).

 

ويحتدم النقاش بين شقيقين.. بين قابيل وهابيل ابني آدم عليه السلام.. ويلعب الشيطان برأس أحدهما.. فيقتل أخاه ظلمًا وعدوانًا.. فيبوء القاتل بالإثم.. ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 29)، والتوجيه النبوي لكل المسلمين "كن عبدالله المقتول ولا تكن عبدالله القاتل".

 

أريد أن أصل إلى أنَّ الإخوانَ وخاصةً قيادتهم وممثليهم في مجلس الشعب ليسوا إلا فصيلاً من فصائل المعارضة السياسية النزيهة، التي تؤدي واجبها نحو الله عز وجل، وتحمل أمانة الدعوة إلى إصلاح شأن هذا البلد الكريم، وتتعاون مع جميع القوى الفاعلة للوصول إلى الأفضل والأحسن، وهي كغيرها من القوى الوطنية.. بما فيها الحزب الحاكم.. تحمل منهجًا وسطيًّا في الإصلاح له جذوره الضاربة في أعماق وجدان الأمة.. ومتناسقًا مع هويتها وقيمها وتاريخها وعقيدتها، ولا تريد أن تفرضه على الناس فرضًا، أو تلزم أحدًا به إلزامًا، إنما اختارت أسلوب العمل السياسي والدستوري والحركة بدعوتهم الإصلاحية بين الناس- كغيرهم من القوى السياسية- بعيد