(انتهى الفلسطينيون من توقيع اتفاق الوحدة الوطنية في مكة المكرمة وبدأت مرحلة التطبيق الفعلي لنصوص الاتفاق وفي مقدمتها تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وفي ظل المواقف الغربية المتشددة من تلك الحكومة يأتي مقال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس خالد مشعل لكي يوضح للغرب القواعد التي ينبغي أن يسير عليها في التعامل مع الفلسطينيين في المرحلة القادمة بعد إبرام اتفاق حكومة الوحدة، فيؤكد مشعل ضرورة إنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية والقبول بإقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967م وعاصمتها القدس الشريف ووقف بناء المغتصبات وعودة اللاجئين وإطلاق الأسرى، ويؤكد مشعل أهمية قبول الغرب بتلك الشروط؛ لأنه في حالة استمرار تعنته ضد الفلسطينيين وتأييده المطلق للكيان الصهيوني فستدخل المنطقة في دوامةٍ من العنف تُفضي إلى وضع أكثر تعقيدًا من الوضع الحالي، والذي أشار مشعل إلى أنه لا يخدم مصالح الغرب التي يحاول حمايتها من خلال دعم الكيان).
وحدتنا يمكنها الآن أن تمهد الطريق للسلام والعدالة
اتفاق مكة منح الفرصة للغرب لكي يتخلى عن سياسة الابتزاز التي يتبعها ويتعرف بالحقوق الفلسطينية..
بقلم: خالد مشعل
لقد بدأت حقبة جديدة من الكفاح الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال، فاتفاقية مكة التي تمَّ توقيعها الأسبوع الماضي بين حماس وفتح ستتيح تشكيل أول حكومة وحدة في التاريخ الفلسطيني، فالآن حركتا حماس وفتح- ومعهما كل الفصائل الفلسطينية الأخرى- سوف تبدآن في إعادةِ بناء المجتمع الفلسطيني بعد الدمار الذي ألحقه به الاحتلال "الإسرائيلي" وفي مواصلة المسيرة نحو تحقيق أهدافنا الوطنية.
لقد عقدنا العزم على أن الاقتتال الداخلي الأخير- والذي أثار ذعر شعبنا وذعر كل مؤيديه حول العالم- قد أصبح من التاريخ، ونؤمن بأنه لم يكن ليحدث لولا التدخلات الخارجية والعقوبات الوحشية التي فرضتها (إسرائيل) وحلفاؤها على شعبنا، فلم تكن المأساة لتحدث إن كانت القوى الدولية والإقليمية قد احترمت نتائج الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية التي جرت العام الماضي.
لقد وضعت اتفاقية مكة أسس عملية تقاسم السلطة والتي سوف تنتج حكومة وظيفية قادرة على الاستجابة لحاجات شعبنا، كما أنها ستمهد الطريق لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتشمل كل الفصائل الفلسطينية وتصبح الممثل الشرعي لكل الشعب الفلسطيني.
إن الشراكةَ التي وُلِدَتْ في اتفاق مكة المكرمة ممكنة لوجود إجماعٍ بين أفراد الشعب الفلسطيني على أن الهدف الأساسي هو نيل حريتهم وأنَّ كفاحهم يجب أن يكون فقط ضد الاحتلال، والآن فإنَّ الأمرَ يرجع إلى المجتمع الدولي ليحدد ما إذا كان سيقبل الاتفاق ويقبل إرادة الشعب الفلسطيني أم لا.
نحن الفلسطينيون كنا ضحايا الغزو والاحتلال والقهر لحوالي قرنٍ ولا زلنا نتعرض للابتزاز لكي نتخلى عن أغلبِ حقوقنا المشروعة، فمنذ انتخابات يناير من العام 2006م والمجتمع الدولي يقاطع شعبنا ويفرض العقوبات عليه بسبب ممارسته حقه الديمقراطي، بينما (إسرائيل) تستمر في قتل واعتقال الفلسطينيين بصورةٍ يومية مدمرة مئات المنازل ومتسببة في تشريد الآلاف.
لدى (إسرائيل) اليوم 11 ألفًا من إخواننا وأخواتنا في المعتقلات، بينما تستمر في حرمان ملايين اللاجئين من حق العودة لوطنهم، كذلك تحدت القانون الدولي بالاستمرار في بناء الجدار العنصري وبناء المستوطنات على الأراضي التي تمَّت مصادرتها من الفلسطينيين، وبالتوازي مع ذلك استمرت عمليات التنقيب خلال الأسبوع الماضي في محيط المسجد الأقصى، ويوم الجمعة اقتحمت القوات (الإسرائيلية) المسجد- المحظور دخوله على مَن هم دون الـ45- مما أدَّى إلى إصابة عشرات من المصلين.
الآن حماس وفتح اتفقتا على تشكيل حكومة وحدة وطنية، والمجتمع الدولي لا عذرَ له في مواصلة الحصار المفروض على شعبنا، ونحن نعلم أن كثيرًا من الحكومات حول العالم غير راضية عن تلك العقوبات ويريدون أن يروا لها نهاية.
اتفاق الوحدة الوطنية الذي تمَّ التوصل إليه في مكة المكرمة يتضمن رؤية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الأراضي المحتلة في العام 1967م عاصمتها القدس وتفكيك المستوطنات في الضفة الغربية وإطلاق كل المعتقلين الفلسطينيين والإقرار بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.
وبمجرد أن يتحول ذلك إلى حقيقة، فإنه سوف يتم تمهيد الطريق نحو سلامٍ حقيقي في الإقليم؛ حيث لن تكون هناك حاجة لمزيدٍ من الابتزاز بحقِّ الفلسطينيين لكي يتخلوا عن كفاحهم للاستقلال والحرية.
كل عروض السلام السابقة فشلت لرغبتهم في فرض المستوطنات (الإسرائيلية) غير العادلة إلى جانب أن تلك العروض تأسست على افتراض أن الكفاح الفلسطيني هو إرهاب يجب على الفلسطينيين أن يتخلوا عنه، وقد فشلت المحاولات لتقسيم الفلسطينيين بين معتدلين ومتطرفين أو صناع سلام و(إرهابيين) فنحن الآن موحدون في مسعانا لإنهاء القهر والاحتلال، فهل يغتنم العالم هذه اللحظة التاريخية ويطالب (إسرائيل) باحترام حقوقنا والتوقف عن محاولاتها لمنع تحويل اتفاقية الوحدة الوطنية الفلسطينية لحقيقة؟ أم أنه سيستمر ضعيفًا وغير موحد في مواجهة التعنت الصهيوني ويخاطر بفرض العزلة لا على حماس فقط، ولكن على فتح وكل الفصائل الفلسطينية الأخرى؟
إذا اختار المجتمع الدولي الأمر الثاني فإن النتيجة ستكون رهيبةً حقًّا، حيث سيدخل الشرق الأوسط كله في دائرةٍ جديدةٍ من التصعيد الدموي تستمر لأعوامٍ عديدة قادمة، كما سيؤدي ذلك إلى نشوء جيلٍ من الفلسطينيين تملؤه المرارة أكثر من جيلنا، وقد لا يقبل ما نقبل به اليوم.
على الغرب أن يفيق ويدرك أنَّ الزمنَ لم يعد في صالح (إسرائيل) وسياساتها في الاحتلال والتدمير والتوسع، لم يعد الزمن في صالح السياسات المنحازة لـ(إسرائيل)، وإنَّ دعمَ الغرب لـ(إسرائيل)- بينما تستمر في ترويع شعبنا واحتلال أراضينا وانتهاك حقوقنا الإنسانية الأساسية والوطنية لن يخدم مصالحه ويعتدي على الأماكن المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين، إنَّ هذا التأييد الأعمى أثبت أنه مكلف جدًّا للغرب، وسيزيد من تكلفة الخسائر التي تتعرض لها مصالح الغرب.
يجب أن يكون مفهومًا للكل أن الشعب الفلسطيني في يده مفتاح السلام والحرب في الشرق الأوسط، فلا يمكن أن يحل السلام والاستقرار في الإقليم دون تسوية القضية الفلسطينية، وهذا ما لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوقنا.
------------
* المصدر: جريدة (جارديان) البريطانية 13/2/2007م- ترجمة: حسين التلاوي.