سيد نزيلي

 

ذهب كثيرٌ من الكُتَّاب من ذوي الاهتمام بالأمور الأدبية والثقافية، وقد يكونون من المتخصصين في هذه المجالات إلى درجةٍ ما.. ذهب هؤلاء في الآونةِ الأخيرة إلى الكلامِ في الشريعة الإسلامية ومسائل الفتيا والاجتهاد في أمور الفقه وأصوله، وإلى ضرورةِ فتح باب الاجتهاد في قضايا كثيرة حتى يدخل منه كل كاتب ما دام يستطيع أن يُمسك قلمًا وتُخصص له مساحة محددة في إحدى الصحف السيارة.

 

وليس لكثيرٍ من هؤلاء الكتاب أدنى صلةٍ بالأمور الإسلامية، غير بعض القراءاتِ السطحية غير المتخصصة، والتى تخدم هدفه ومقصده في هذه المجالات؛ ذلك أنَّ كثيرًا منهم ذو منطلقٍ فكري يساري.. ومتطرف.. لا يحب أن يرى الإسلامَ- كمنهج حياة- يُلقي ظلاله على حياةِ الناس- في واقعٍ حي ملموس، وانسجامًا مع الفكر الغربي العلماني الذي تربَّى عليه وأُعجب به، وتشبَّعت به نفسه ورُوحه ووجدانه، وهو يريد أن يستحضر هذا النمط الفكري الثقافي.. ويُنزله على واقعِ حياة المسلمين، ويستبعد الإسلامَ كنظام حياةٍ شامل، ويحصره قابعًا في ضميرِ الفرد أو حبيسًا في زوايا المسجد والجامع، لا يتحرك في مجتمعٍ حي نابض.. يُشكِّل حياةَ المسلمين وفق منهجه، ويصيغ قسمات شخصيتهم وفق معاييره الخاصة وقيمه الراسخة المنبثقة من ربانية هذا الدين وجذوره الضاربة في أعماق التوحيد والألوهية المطلقة لله رب العالمين.

 

ولذلك؛ فإنَّ هناك أمرًا يخفى على الكثيرِ من الكُتَّاب الذين يخوضون في أمورِ الإسلام، وهو أنَّ عنصرَ الصدق والإخلاص والولاء لدين الله، لا بد أن يتحلى بها الكاتب حتى يصل إلى هدفه من الكتابة، ويتحقق لآرائه القبول والرضا، فما خرج من القلب بصدقٍ لا بد أن يدخل إلى القلوب والأفهام، ويتحقق به نقلة بعيدة في حياة المسلمين.

 

وليس هناك- في منظور الإسلام- انفصال مطلق بين القول والسلوك الواقعي للشخص أو الكاتب؛ بل إنَّ الإثنين (القول والعمل) يُمثلان حزمةً واحدةً أو سلةً واحدة.. لا يُقبل أحدهما بمعزلٍ عن الآخر، فلا يعقل إطلاقًا.. أن يتحدث عن فضيلةٍ وهو يفتقدها في حياته الخاصة أو العامة، ولا يتخيل أن يأمر بخلقٍ وينقضه سلوكه وواقعه "لا تنه عن خلق وتأتي مثله"، ولقد حسم القرآنُ الكريم هذه الازدواجية في شخصية المسلم بأن جعل أقواله لا بد أن تكون مطابقة لأفعاله وبالعكس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ(3)﴾ (الصف).

 

وبعيدًا عن التفتيش في نوايا الآخرين وشق قلوبهم.. لا يجوز لكثيرٍ من الكُتَّاب في الساحة الثقافية الآن.. أن يتكلموا في أمور الإسلام.. ويتقمصوا شخصية الفقيه المجدد إلا أن يكونوا أهلاً لذلك من دراسة وتخصص بالإضافة إلى التقوى والورع والإخلاص الصادق لهذا الدين، والرغبة الحقيقية لنصرته والمعاونة على تبصير الناس بحقائقه وغاياته.. وتغيير نمط حياتهم المجافي لمتطلباته.. والبعيدة عن روحه، والتخلص من كثيرٍ من السلبيات التي ورثها الناس عبر عصور من التخلف والتأخر.. التي كان سببها البعد عن الإسلام.. وليس الإسلام نفسه هو الذي سبب هذا التدهور في حياة المسلمين.

 

د. نصر فريد واصل

 

ولقد سبق أن أشرنا في مقالاتٍ سابقة وفي هذا المكان.. إلى كثيرٍ من الأخطاء التي وقع فيها الكُتَّاب العلمانيون عند تناولهم للإسلام، وقلنا إنَّ بعضهم يتجه إلى تفكيكِ الإسلام وتقطيع أوصاله من حيث يدري أو لا يدري.. وجعله نحلةً من النحل ذات طقوسٍ معينة.