قبل معالجة الاتفاق الذي تمَّ التوصل إليه في مكةَ المكرمة بين فتح وحماس نود أن نُمهِّد بثلاثة ملاحظات:-

الملاحظة الأولى أن الهدف من تحليل الاتفاق هو الحرص على نجاحه على الأرض وليس التقليل من شأنه, يكفي أن يجد الفلسطينيون لحظةً واحدةً نادرةً للفرح بعد أن تكالبت عليهم المقادير.

 

والملاحظة الثانية هي أن المملكة العربية السعودية قد أصبحت اللاعب الأساسي في الساحة العربية والإسلامية برضا وموافقة الأطراف العربية الأخرى التي باركت الجهود السعودية؛ ولذلك لا تشعر هذه الأطراف بأن المملكة تنافسها أو أنها تحل محل أي طرفٍ وإنما القصد في نهاية المطاف هو إطفاء الحرائق الفلسطينية التي خرجت عن كلِّ الحسابات الوطنية والإقليمية؛ ومما يسعد أن تصبح مكة قبلةً دينيةً وملاذًا سياسيًّا، وهذا فأل طيب للجمع بين الدنيا والآخرة؛ حيث استهل الأطراف عملهم بزيارة المسجد الحرام والضراعة إلى الله بأن يخرج الشيطان من صفوفهم, ولهذا السبب فقد استحقت المملكة بحقٍّ كل الثناء على مستوى العالم كله بما في ذلك الولايات المتحدة.

 

يكفي أن نشير إلى أن المملكة تحاول في جميع الاتجاهات, مع إيران لتهدئة الموقف بينها وبين الولايات المتحدة, ومع إيران مرةً أخرى لتفادي الآثار المؤلمة لمأساة العراق ومع الولايات المتحدة للتوصل إلى أسسٍ للتحرك السياسي مجددًا في فلسطين, وأخيرًا مع الفلسطينيين.

 

الملاحظة الثالثة هي أننا يجب أن نفصل بين الجهد والإخلاص من جانب السعودية وبين نجاح هذا الجهد في تسوية القضايا التي يبذل الجهد لتسويتها.

 

وقد اتفق أطراف الأزمة الفلسطينية على عددٍ من الأمور الأساسية أولها تشكيل حكومة الوطنية برئاسة حماس، وثانيها تحقيق الوحدة الوطنية ومنع الاقتتال الفلسطيني مهما كان الثمن أو المبرر، وثالثها الاتفاق على البرنامج السياسي للعمل الوطني، ورابع هذه القضايا أو الأمور هو إحياء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون مظلة شاملة لكل الفلسطينيين.

 

ويبدو أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في مكة يعد إنجازًا ضخمًا إذا علمنا أن هذا الهدف قد أُحبط عدة مرات رغم الاتفاق المبكر على مبادئ تشكيل الحكومة المذكورة، وقد يقول بعض النقاد إن الدماء الفلسطينية التي أُريقت والتراجع الخطير في القضية الفلسطينية وشعور "إسرائيل" بالشماتة من الفلسطينيين واستغلالها لهذه الظروف لاستكمال مخططها ضد المسجد الأقصى هي كلها ثمن باهظ للتوصل إلى حكومة الوحدة الوطنية التي كان من الممكن أن يتفق عليها بغير هذا الثمن الخطير, وهذا صحيح, ولكن الصحيح أيضًا أن عدم الثقة بين فتح وحماس واتساع الصراع السياسي بينهما جعل الاتفاق على أي شيء أمرًا مستحيلاً، كما جعل الحرب الأهلية في فلسطين أمرًا غريبًا ومستهجنًا واستنزافًا لموارد متواضعة كان يجب أن توجه ضد "إسرائيل".

 

كما قد يرى البعض في اتفاق مكة أنه انتصار لفتح على حماس، وأنه تراجعٌ من جانب حماس؛ لأن الاتفاق نصَّ على احترام حماس للشرعية الدولية والاتفاقات السابقة، وهذه هي المرة الوحيدة التي تلتزم حماس فيها بأن الصراع مع "إسرائيل" وليس من أجل زوال "إسرائيل" مع فارقٍ واحدٍ وهو تمسك حماس بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.

 

وإذا كان هذا الاتفاق فيما يبدو مرضيًا لفتح وحماس معًا فإن النقطة المفصلية فيه هي مسألة الاعتراف بإسرائيل التي رفضتها حماس طيلة هذه الفترة, فهل كان الصراعُ بين الطرفين يهدف إلى هذه النتيجة أم أن هذا الاتفاق كان كما يُقال اتفاق اللحظة الأخيرة؟, وهل يؤدي تشكيل الحكومة على هذا النحو إلى تهدئة القيادات في فتح أم أن الاتفاق تهدئة للقيادات جميعًا، وهو بمثابة اعتذارٍ للشعب الفلسطيني عن أن تقاسم السلطة مقدم على حقن الدماء الفلسطينية، وما هي قيمة الاتفاق إذا كانت "إسرائيل" تعلن أنها تريد اعترافًا صريحًا من الحكومة الفلسطينية التي لا يهمها أن تكون من حماس أو من فتح أو حكومة وحدة وطنية, وماذا لو تمسكت "إسرائيل" بأن هذه الحكومة المقترحة لا تلبي الغرض؟ وهل سيرفع الحظر عن الشعب الفلسطيني بمجرد تشكيل هذه الحكومة؟

 

المتابع للساحة الفلسطينية يستطيع أن يدرك أن الخلاف بين فتح وحماس ليس خلافًا على شخصيات أو عدد المقاعد الوزارية، ولكنه خلافٌ على البرنامج السياسي للحكومة، وبالذات فيما يتعلق بالاعتراف باتفاق أوسلو الذي أنشأ السلطة الوطنية الفلسطينية في نظرِ أطراف كثيرةٍ لسنا من بينها، كما أنه ليس متفقًا عليه في الساحة الفلسطينية.

 

وبعبارة أخرى, فإن الاتفاق كان في شقٍ منه اعتذارًا للشعب الفلسطيني من كل قياداته وليس بالضرورة معالجة جذرية لما يفصل بين الفريقين, كما أن الاتفاق هو استجابة لمخاوف عربية قوية وضعت القادة الفلسطينيين في مربعٍ لا يحسدون عليه أمام مسئولياتهم، خاصةً وأن الحرب الأهلية الفلسطينية كانت أهم تطور إيجابي لصالح "إسرائيل" منذ توقيع اتفاق أوسلو حسبما تقول المصادر الصهيونية.

 

وهناك نقطة أخرى تتعلق بتوقيت الاتفاق, وهذا التوقيت قد يتصل بما وصلت إليه الأزمة الفلسطينية من خطورة وانزلاق البلاد إلى حرب أهلية واسعة, كما أن التوقيت قد يفسر على فشل كل الاتفاقيات الثنائية السابقة، وآن الأوان لكي يتم الاتفاق على يد وسيط.

 

وهناك من ناحيةٍ ثالثة مَن يربط هذا التوقيت بعوامل خارجية، وهي رغبة الولايات المتحدة و"إسرائيل" في بدء عملية سلامٍ جديدة حتى لا تظل الساحة الفلسطينية فارغة، خاصةً وأن ذلك كان توصيةً واضحةً في تقرير لجنة بيكر- هاملتون, ولا ضيرَ بعد ذلك أن تكون التهدئة في فلسطين وفي لبنان والصومال وغيرها من المؤشرات على أن الولايات المتحدة تريد أن تتفرغ لإدارة ملف الصراع مع إيران.

 

وإذا صح ذلك فإن اللقاء المرتقب بين القيادتين الفلسطينية والصهيونية يمكن أن يكون تجسيدًا لهذا الاتجاه, وقد ينظر المراقبون إلى الاتفاق على أنه هزيمة كاملة لخط حماس، ومع ذلك ليس هناك ضمان لكي تقبل "إسرائيل" الاتفاق مما يضيع أهمية هذه الخطوة, ولكن الاتفاق في كل الأحوال إذا حسُنت النوايا سوف يحقن الدماء الفلسطينية، كما أنه سوف يعطي أبو مازن الحق في قيادة العمل الوطني الفلسطيني بعد أن نظر البعض إلى السلطة منذ تولي حماس الحكم على أنها سلطة برأسين.

 

إن هذا الاتفاق دليلٌ آخر على فساد جهود الوقيعة بين سوريا والسعودية منذ أن ساد الفتور علاقات البلدين عندما صدر القرار 1559 وبشكل أخص بعد اغتيال رفيق الحريري.

 

وقد يمهد الاتفاق في مكةَ إلى فتح الباب أمام تسوية الأزمة في لبنان، فما الفارق بين فرص نجاح السعودية مع الفلسطينيين وفرص نجاحها مع اللبنانيين؟

 

الملاحظ أن السعودية لم تتخذ موقفًَا بين طرفي الأزمة في فلسطين فلم تساند أبو مازن ضد حماس؛ بل استقبلت الطرفين وقدمت دعمًا ماليًّا للطرفين استمرارًا لدعمها للشعب الفلسطيني؛ وبذلك صارت وسيطًا نزيهًا فعالاً، خاصةً أنها تنوب عن الأمة العربية كلها في معالجة القضية الفلسطينية في هذا الطور الخطير؛ مما وفَّر لها فرص الحوار الشفاف مع أطراف الأزمة, أما مع اللبنانيين فإن السعودية أظهرت حرصًا أكبر على ما يُسمَّى في العالم العربي بالشرعية اللبنانية ويقصد به حكومة السنيورة, كذلك فإن السعودية كانت قد أبدت ملاحظةً عابرةً مع مصر والأردن في بداية العدوان الصهيوني على لبنان رغم أنها التزمت موقفًا هادئًا في الأزمة وسعت بجدية لوقف العدوان الصهيوني، وهو ما مكَّنها من أن تُعيد إقامة الجسور مع حزب الله رغم أن المملكة قد أبدت تعاطفًَا مباشرًا مع الحكومة اللبنانية في مواجهة المعارضة، خاصةً بعد نزولها إلى الشارع في خوفٍ ظاهرٍ على انفلات الموقف وانزلاق البلاد إلى حرب أهلية لا يتمناها إلا الكيان الصهيوني.

 

ورغم كل هذه الملاحظات فإن اتفاق مكة يمكن أن يُشجِّع السعودية على تكراره مع اللبنانيين، ولكنها تدرك طبعًا الفارق بين الملف اللبناني والملف الفلسطيني, فالملف الفلسطيني أكثر تبسيطًا لأن أبو مازن تؤيده الولايات المتحدة و"إسرائيل" والدول العربية، بينما حماس تؤيدها إيران وسوريا, ولكن وصول الأزمة إلى حدِّ الحرب الأهلية مكَّن السعودية من إتاحة الفرصة للأطراف للاتفاق.

 

أما في لبنان فإن حزب الله المرتبط بإيران وسوريا والذي تطارده "إسرائيل" والولايات المتحدة وعلى خلافٍ مع حكومة السنيورة قد يكون معالجة أزمته بنفس درجة الإلحاح؛ لأن قضية لبنان تتصل مباشرةً بحرب أهلية محتملة وتربص صهيوني دائم وفتنة طائفية بدأت تلوح نذرها انعكاسًا من الساحة العراقية, فهل تُكمل السعودية ما بدأته مع الفلسطينيين لتهدئة الساحة اللبنانية؟ وهل يصمد اتفاق مكة بعد أن ينتهي تأثير الهيبة المباشرة لبيت الله الحرام في نفوس الأطراف.

 

إن النفس البشرية تقترب إلى الله في المحن تمامًا عندما تدق قلوب المشيعين للموتى وتفيض أعينهم من الدمع عند المقابر وهم يرون الفناء في كل مكان, ولكنهم ما أن يغادروا المقابر حتى يعودوا سيرتهم الأولى في الدنيا, وقد تخلصوا تمامًا من تأثير الآخرة.