د. حلمي القاعود

أرغمتني ظروفي الصحية طوال شهر طوبة تقريبًا على الاعتكاف في غرفةٍ بها تلفزيون لا يبث إلا القناتين الأولى والثانية، وكنتُ في ظل الدفء النسبي قبل طوبة أتحرك في أرجاء المنزل، فأشاهد القنوات الفضائية على أجهزة أخرى؛ حيث يمكن للمرء أن يفتح على قنوات تحترم العقل الإنساني، وتخاطبه على أنه مخلوق يملك القدرة على التفكير، ولكن ظروفي حرمتني من ذلك، واضطرتني للعودة إلى ما كنت نسيته منذ زمان، وهو استهانة التلفزيون المصري بالبشر عمومًا، والمصريين خصوصًا، عندما تطالع السحنات والأشكال التي أدمنت الكذب والنفاق واللعب على الحبال والكلام الذي لا تفهم منه شيئًا ولا تخرج منه بشيء، اللهم إلا الدعاية "الماسخة" للنظام البوليسي الفاشي والتحريض على خصومة السياسيين، وترويجه للإسلام الأمريكي الذي يعترّ من الإسلام الحقيقي.
ومع كل هذه السلبيات، فإنه- أي التلفزيون المصري-، قدم حسنة يتيمة، قلَّبت المواجع والفواجع، وخاصةً ما يأتي من أرض فلسطين المستباحة، ليس من جانب الغزاة النازيين وحدهم، ولكن من جانب خُدَّامهم بقيادة المناضل البهائي وولده دحلان، وسفورهم القبيح عن انحيازٍ علني مباشر للغزاة وسادة الغزاة، وتلقيهم الدعم المالي والعسكري لتجري أنهار الدم الفلسطيني في شوارع غزة- المدينة والقطاع- واهتمامهم الغريب والعجيب بالإرهابي الأسير "شاليت" أكثر من اهتمامهم بعشرةِ آلاف فلسطيني وفلسطينية يأسرهم الغزاة ويُذيقونهم ألوان العذاب.
ثم حرص هؤلاء الخدم على تدمير الجامعة الإسلامية العريقة في غزة بحجة البحث عن "أنفاق" ومعامل لتصنيع السلاح! دون أن يُفكِّروا لحظة في الأنفاق التي يصنعها اليهود الغزاة لتدمير المسجد الأقصى وهدمه.
وا أندلساه.. وا قدساه!!
ماذا جرى للمناضل البهائي ورجاله في إصرارهم على إبادة المقاومة الفلسطينية الباسلة بدمٍ بارد، وخدمة الغزاة النازيين اليهود الذين استباحوا الأرض والعرض والمال والأولاد؟
على كلٍّ، فقد كانت حسنة التلفزيون المصري (الماسخ الكالح) اليتيمة، هي أن نسمع وا أندلساه.. درس لن ننساه، على لسان أحد شخصيات مسلسل "عائش في غيبوبة" الذي أعده وأخرجه ومثّله الفنان الجاد "محمد صبحي".
في معتكفي قرأت سيرة العرب المعاصرين بخلافاتهم وتفككهم وأنانيتهم وتبعيتهم للغريب الطامع المتوحش، عبر مسلسل محمد صبحي، الذي حاول أن يضحكنا لكنه أوجع قلوبنا، وأدماها على حالنا وأوضاعنا وثرواتنا المنهوبة الضائعة، وضحك "الآخر" على ذقوننا، واستيلائه على كل ما نملك بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة.
محمد صبحي، قدَّم المسلسل ليوقظ الأمةَ التي تعيش "في غيبوبة" مزمنة، ولا تريد أن تفيق منها، مع أن حجم المصائب التي نزلت على أم رأسها، كانت كفيلة بإيقاظ القارات الست وإعادة الوعي إليها، وقد استخدم الإطار الكوميدي المسرحي، ليلقي من خلاله دروس التاريخ وعبره التي لم تعتبر بها أبدًا.
ويمكن للمتابع العادي أن يرى رموز البلاد العربية وأعداءها في شخصياتِ المسلسل الكثيرة، منذ حرب رمضان حتى الآن، كانت الحرب أول طفرةٍ للعرب فوق بحر الهزيمة، وأثبتت قدرتهم على العمل والتخطيط والمباغتة والانتصار.. ولكن اللصوص سرقوها، وحوَّلوها إلى غنائم وثروات، وضاع الأب الذي شارك في صنع هذا الانتصار مع الأم، في حادث إرهابي ارتكبه ولدٌ ممن راح أهله ضحية لواحدٍ من الذين سرقوا الانتصار!
صبحي حشر موضوع الإرهاب حشرًا كي يمرَّ المسلسل عبر الشاشة الصغيرة للتلفزيون (الماسخ الكالح) الذي صار قدرًا مفروضًا على المصريين- أغلبيتهم الساحقة- يُشاهدونه ويستمعون إلى الأصوات المشروخة، ويُشاهدون الوجوه الكالحة التي لا تنحاز إليهم أبدًا، وإن كانت تنحاز إلى مصالحها، وحدها، ولو كانت مع الشيطان نفسه.