الصورة غير متاحة

سيد نزيلي

"الإسلام.. والسياسة" قضية قديمة جديدة ويحلو لكثيرٍ من الكُتَّاب في هذه الأيام أن يكتبوا عن هذه العلاقة، ومن ثم يتبادر طرح هذا السؤال: هل هناك دينٌ في السياسة أو سياسة في الدين، وعادةً لا يُكلِّف أحدهم نفسه أن يتعمَّق في هذه القضية ويناقشها في جوانبها المتعددة.. ومن زواياها المختلفة.. فيصدر أحكامًا مطلقةً.. ويضع نفسه في قوالبَ مصبوبة.. وينسى في هذه الحالة.. هويته وقيمه وموازينه التي استمدها من دينه وهو الإسلام.

 

فأي دينٍ يتكلم عنه الكاتب.. وأي سياسةٍ يُشير إليها؟ وهل هناك واقع معين أنشأه هذه المزج بين الدين والسياسة في مجتمعاتنا الإسلامية على مدار العصور والأزمان؟ وهل حدث عندنا أن تحكَّم رجالُ الدين في السياسة وفي أقدار الناس وأحوالهم.. بحيث أحدثوا ما يمكن أن نسميه حكمًا كهنوتيًّا.. أو حكمًا إلهيًّا مطلقا؛ بحيث نشعر أنَّ ما يقضي به الحاكم إنما هو نفسه قضاء الله؛ لأن هناك مَن يتحدث باسم الله؟ هل حدث في بلاد الإسلام على اختلافِ العصور والأماكن والبيئات مثل هذا الخلط المشبوه والمزج المريب؟

 

وهل يتفضل هؤلاء الكُتَّاب ويدلونا على نموذجٍ واحدٍ حدث عندنا وأنتجه الحكم الإسلامي في بلادنا المترامية الأطراف من الصين شرقًا إلى بلاد الأندلس في إسبانيا غربًا؟ هل وجد أي كاتب منذ حكم الخلفاء الراشدين وحتى الآن.. مَن كان يحكم حكمًا كهنوتيًّا مطلقًا.. أو أن الحاكم حتى ولو كان خليفةً راشدًا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعي أحدٌ منهم أنه يتكلم عن الله أو يقضي بقضاء الله في كلِّ ما يُعرض عليه من قضايا وأمور.

 

إنَّ أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- يخطب في المسلمين عشيةَ اختياره وبيعته خليفةً للمسلمين "وليت عليكم ولستً بخيركم.. فإن أحسنت فأعينونى.. وإن أسأت فقوموني"، فيرد عليه فردٌ من عامةِ المسلمين "والله لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا.."؛ أي ديمقراطية هذه.. وأي شفافية.. وأي فهمٍ راقٍ لعلاقة الحاكم بالمحكومين.. وأي إدراكٍ لدور كلٍّ من الحاكم والمحكوم لإصلاح شأن الأمة.

 

وسيدنا عمر- رضي الله عنه- يرد وهو على المنبر يخطب الناسَ في مسألة المهور فتصحح له امرأةً من عامة المسلمين، فيرجع عن رأيه، ولا يتشبث به، ولا يجد حرجًا في أن ينزل عن هذا الرأي.. ويثني على رأي المرأةِ المسلمة في قولةٍ شهيرة: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"، هل هناك حكامٌ في كلِّ الدنيا.. في شرقها وغربها.. مَن ينزل عن رأيه ويتزحزح عنه.. مهما تكشَّف له الخطأ فيما يتجه إليه.. والخطر فيما يقرره.

 

اللهم إنَّ واقعَ الحال يؤكد غير ذلك سواء في الأمم الديمقراطية أو الاستبدادية.. بل الأخطر من ذلك.. فإن المعارض لرأي الحاكم "وهو رأي خاطئ وخطر" قد يكون في شكل برلمان.. أو هيئة أمم متحدة.. أو مجلس أمن.. لا يهم كل ذلك، فالفرعونية الحديثة ما زالت تسود العالم الآن ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29).

 

وهل كان عمر كذلك حاكمًا كهنوتيًّا مطلقًا عندما يقول "لا خير فيكم إن لم تقولوها.. ولا خير فينا إن لم نسمعها".. إذن لا وجودَ إطلاقًا لموضوع الحقِّ الإلهى في الحكم الإسلامي أو أن ما ينطق به الحاكم المسلم.. هو كلام الله الذي لا يمكن رده أو رفضه أو تعديله.. المسألة غير ذلك تمامًا.

 

فكثيرٌ من الكُتَّاب الذين يملئون الساحة صياحًا وصخبًا وضجيجًا.. ويتهمون الإخوان المسلمين.. بل وكل مَن يدعو إلى العودةِ إلى الإسلام مرجعًا للعملِ السياسي.. كثيرٌ من هؤلاء الكُتَّاب يجهلون الإسلامَ ولا يعلمون عنه شيئًا وليس لهم منه إلا الاسم والطقوس الضرورية في أمور الولادةِ والزواج وباقى القشور..