بقلم: د. أحمد دياب*
"هيا نصعد إلى أسفل" زلة لسان وكلمة عفوية قالها أحد الصينيين الذين يدرسون اللغة العربية في إحدى رحلاتنا في بكين منذ زمنٍ وساعتها كست حمرةُ الخجل وجهه حينما ضحك الجميعُ من طرافةِ الكلمة وتناقض مضمونها؛ حيث كنا ساعتها نهم بالنزول وليس بالصعود..!
استحضرت هذه الكلمة العفوية وأنا أتفحص التعديلات الدستورية المقترحة فإذا هي تكرس المعنى نفسه (هيا نصعد إلى أسفل..!!) غير أنها لم تأتِ هنا عفوية بل مقصودة ومتعمدة ولم يتبعها أية حمرة للخجل، بل حملة ترويج بكل فخر واعتزاز..!!
أن المنطق السليم والحديث المقنع يقتضي أن تتناسق المقدمات مع النتائج وتتناسب الوسائل مع الأهداف، هذا ما يقتضيه منطق الكلام العادي فكيف بالكلام في الدستور أبو القوانين ومرجعيتها والحاكم عليها، إنه الميزان الذي هو رمزُ العدالة والحقيقة وأي عبثٍ في مبادئه أو خلل في منطقه وتوازنه يهدد بضياع العدالة وتغييب الحقيقة.
والمستعرض للتعديلات المقترحة يجدها مشوبةً بهذا المنطق المعكوس بين المقدمات والنتائج والوسائل والأهداف من قبيل "هيا نصعد إلى أسفل" أو "هيا نتقدَّم إلى الوراء"، وأنا هنا أختلفُ قليلاً مع الذين يقولون إنَّ التعديلاتِ المقترحة تكريسٌ للواقع، وأقول بل هي ردةٌ إلى الوراء، وهنا أضرب أمثلةً فقط على التناقض بين المقدماتِ والنتائج فيما هو مطروحٌ من تعديلات:-أولاً:- تتحدث التعديلات عن تفعيل المشاركة ودعم التعددية، ثم تأتي التعديلات نفسها- وقد بلغت 34 مادةً وطالت كل أبواب الدستور تقريبًا- رؤيةً أحاديةً للحزب الوطني بل لبعض قياداته فقط وكأنه ليس دستور لكل المصريين بل دستور لأفراد منهم، مما يفقدها أحد أهم المبادئ في صياغة الدساتير أو تعديلها بهذا الكم، وهو مبدأ التوافق المجتمعي.. وهيا نصعد الى أسفل!!
ثانيًا:- تتحدث التعديلات في مقدمة رائعة عن المواطنة وأهميتها؛ بل وتتخذها شعارًا وأساسًا لها فنصعد معها في تأكيد ما هو مؤكد وتقريرٌ ما هو مقرر عن مبدأ المواطنة في المادة 8، والمادة 40 وغيرها ثم نُفاجأ أننا نهوى إلى أسفل بنقض هذه المواطنة بتعديل المادة 76 الذي ينحاز إلى 3% من المصريين وهم الذين ينتمون إلى الأحزاب ويقيد حق 97% الآخرين في الترشح لمنصب الرئاسة، وربما للترشح للمجالس النيابية فيما بعد حسب مقترح تعديل المادتين 62،94..!! وهيا نصعد إلى أسفل!!.
ثالثًا:- تتحدث التعديلات في مقترح تعديل المادة 88 في مقدمةٍ لا يختلف عليها أحد "هيا نصعد" لتحقيق نزاهة الانتخابات وتأكيد مبدأ الشفافية واقتراح وسائل انتخابية مثل زيادة عدد الناخبين وزيادة عدد اللجان- جميل هيا نصعد- ثم يكون المقترح النتيجة (إلى أسفل) باقتراح أن تتم الانتخابات في يومٍ واحدٍ والانتقاص من حكمِ المحكمة الدستورية بمبدأ "قاضٍ لكل صندوق" واقتراح لجنة مستقلة فبدلاً من أن نتقدم إلى الأمام بتمكين القضاء من الإشراف الكامل على العملية الانتخابية "من كشوف القيد إلى إعلان النتيجة" نتقدم إلى الخلف بإلغاءِ حقٍّ مكتسبٍ للشعب حكم المحكمة الدستورية بمبدأ قاضٍ لكل صندوق.. وهيا نصعد إلى هاويةِ التزوير!!
رابعًا:- تتحدث التعديلات عن التوازن بين السلطات وزيادة اختصاصات السلطة التشريعية وتفعيل دور البرلمان مقدمة رائعة "هيا نصعد" والنتيجة اقتراح إعطاء رأس السلطة التنفيذية حق حل البرلمان دون الرجوع إلى الشعب أي إلغاء الاستفتاء.. يعني المطلوب أن تقدم السلطة التشريعية- بكل الحب والود- حبل المشنقة إلى السلطة التنفيذية لتشنقها به وقتما تشاء.. وهيا نصعد إلى منصة المشنقة!!
خامسًا:- تتحدث التعديلات عن خطورة الإرهاب وضرورة التصدي له وحماية حياة المواطنين وتحقيق الأمن لهم مقدمة رائعة وهدف نبيل- هيا نصعد- ويأتي المقترح بإضافة نص يعتقل المواد 41، 44، 45 وهي المواد الخاصة بالحرية الشخصية للمواطنين وحرمة بيوتهم وممتلكاتهم ومكاتباتهم واتصالاتهم، وهي المواد التي ظلت منتهكةً طوال أكثر من 25 عامًا إلى الآن بفعل قانون الطوارئ وحتى الضمانة التي كانت موجودةً بضرورة وجود إذن قضائي مسبق يُراد إلغاؤها، ولننتقل من مرحلة "كله بالقانون" إلى مرحلة "كله بالدستور"، وهيا نصعد إلى هاوية تكبيل الشعب المصري!!
هذه أمثلة ولعل غيرها كثير في التعديلات المقترحة التي تجافي المنطق؛ حيث إنها لا تتقدم بالوطن إلا إلى الخلف ولا تصعد بالمجتمع إلا إلى أسفل فهي تكرس السلطة بدلاً عن تداولها, وتكدس الثروة بدلاً عن عدالة توزيعها، وتكبل الحريات بدلاً من إطلاقها.
إنَّ المدخلَ الحقيقي للإصلاح لمَن يريد إصلاحًا حقيقيًّا ينقذ الوطن من واقعه المرير, ويحقق للشعب آماله وطموحاته في مستقبلٍ أفضل يعيش فيه المواطن حرًّا كريمًا آمنًا مستقرًّا هو في المسارعةِ بإجراء إصلاحٍ سياسي حقيقي تُطلق فيه الحريات وتُلغى فيه حالة الطوارئ، وتُطلق فيه حرية تشكيل الأحزاب..إلخ من المطالب التي هي محل إجماعٍ من كافةِ القوى الوطنية ساعتها سيكون المناخ مهيئًا لأن يولد دستورٌ جديدٌ للبلاد ولادةً طبيعيةً من رحم توافق اجتماعي تتوافق فيه كل ألوان الطيف السياسي بلا استثناء، وليست ولادة مبتسرة، كما هو الحال في التعديلات المقترحة من جانب واحد، ساعتها فقط نستطيع أن نهتف جميعًا: "هيا نصعد إلى أعلى... هيا نتقدم إلى الأمام..!!".
----------------
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان ونائب دائرة قليوب