تحول الساحة الفلسطينية إلى قتالٍ داخلي رسم علامة استفهام كبيرة حول الكثير من القضايا في الساحة الفلسطينية يدركها أبناء فلسطين، ولكن إرادتهم على تجنبها قد أصابها الوهن، فهم يدركون قطعًا أن عدوهم هو الاحتلال والمشروع الصهيوني الذي يستخدم الاحتلال وسيلةً لتنفيذه كما يسعى بوضوحٍ إلى إبادة الشعب الفلسطيني؛ ولذلك فإنَّ الأولويةَ المطلقة لكل قيادات فلسطين يجب أن تكون هي مواجهة المشروع الصهيوني.

 

أما تحول الصراع في فلسطين من فلسطيني صهيوني إلى داخل الصفوف الفلسطينية فإنه ولا شك يُشكِّل أبرز الأخبار الطيبة منذ إنشاء السلطة للكيان الصهيوني حسبما يقول أحد جنرالات إسرائيل المتخصصين في إشعال الفتنة الفلسطينية، ويقول هو نفسه إنه من الخطر استمرار إسرائيل والولايات المتحدة في تقوية شوكة محمد دحلان ضد حماس؛ لأنه يتسم بالطموح واللاأخلاقية، وأنه أخطر من حماس على إسرائيل بسبب هذا الطموح.

 

 الصورة غير متاحة
 
وقد لُوحظ تكرار اللقاءات بين أبو مازن ومشعل وبين هنية وأبو مازن، ولكن كل الاتفاقياتِ وكل التصريحات التي أكدت أن الحرب الأهلية الفلسطينية خط أحمر لم تصمد أمام حالة الصرع التي تنتاب الشارع الفلسطيني، والشعب من وراء ذلك يشعر بالخزي لأن قادته ينصرفون إلى صراعٍ داخلي، بينما يعاني الشعب الإذلال والاحتلال والقتل العشوائي والحصار الاقتصادي وضياع الأمل في أي مستقبلٍ حتى بات الجانب الأعظم من هذا الشعب يرى عبث هذه القيادات وعدم جدارتها بالقيادة في هذه المرحلة بقطع النظر عن الجانبِ المخطئ أو الجانب المصيب.

 

لُوحظ أيضًا أن بعض الوساطات العربية مثل مصر والسودان والأردن وقطر وغيرها من الدول العربية الأخرى، فضلاً عن الضغوط الشعبية والمنظمات العربية المختلفة التي ناشدت الطرفين حقن دماء الشعب الفلسطيني وتوجيه طاقة القتال والقتل إلى العدو، حتى إنَّ نقابةَ المحامين المصرية أعلنت بعد دراستها للوضع الفلسطيني أن الشعب الفلسطيني يجب أن يبحث عن بدائل لقياداته الحالية.. فما السبب في إصرار الأطراف الفلسطينية أو انجرارها إلى غريزةِ القتال الداخلي رغم إدراكهم لخطورته؟ ولماذا انهارت الوساطات المختلفة وانهارت معها اتفاقات التهدئة؟ وما الفرق بين لقاء مكة وبين اللقاءات الأخرى في دمشق وغيرها؟

 

يشير لقاء مكة يوم الثلاثاء السادس من فبراير 2007م إلى عددٍ من الدلالاتِ الكبيرة: أولها أنَّ المملكةَ العربية السعودية تشاطر كافة الدول العربية والإسلامية بالقول والفعل في مساعدةِ الشعب الفلسطيني وقياداته على التوصل إلى تسويةٍ تؤدي إلى تشكيل حكومة وطنية؛ مما يرفع الحصار أو على الأقل يوفر الشرط الممكن لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.

 

الدلالة الثانية هي أن عقد اللقاء في مكة هو رجاء لأن تؤدي قدسية المكان إلى هداية النفوس وطمأنتها وإدراكها الحق وهدايتها إلى اتباعه، كما أنَّ قدسيةَ المكان تضفي القدسية نفسها على أي اتفاقٍ يتقرر بين الطرفين.

 

واللقاء- للحق- استمرار لإدراك السعودية لهموم الساحة الفلسطينية وخطورة هذه المرحلة التي توشك بضياع القضية الفلسطينية من الملفات الدولية، وأن ينوب الفلسطينيون عن إسرائيل في تصفيتها، وهذه جريمة تاريخية إذا قُورنت بنضال الأجيال السابقة ودماء الشهداء الذين ذهبوا للقاء ربهم وهم موقنون بأنَّ الحريةَ الحمراء باب بكل يدٍ مدرجة يدق.

 

كان واضحًا أنَّ المملكةَ السعودية سيقتصر دورها على وضع الفلسطينيين في صورة القلق الشامل مما وصلوا إليه، ولكنها كعادتها لا تريد أن تفرض عليهم أو تعرض عليهم ما قد لا يروق لهم.. ومع كل احترامي لهذا المنهج فإن لقاء مكة يمكن أن يحقق الكثير إذا عالج النقاط الثلاث الآتية بالعمق المطلوب:

النقطة الأولى: هي التزام صارم من جانب القيادات الفلسطينية لوقف القتال الداخلي وعدم الاستمرار فيه لأي سببٍ، وأن يكون لهذه القيادات،