بقلم: بهاء فرح*

عشر سنوات كانت عمر حركة فتح في السلطة، منذ أن جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في عام 1996م، وتوقفت بعدها عملية تداول السلطة رغم المطالبة الشعبية والدولية بذلك؛ وخلال تلك الفترة، ورغم الجرائم التي ارتكبتها أجهزة الأمن الفتحاوية بحقِّ مجاهدي الشعب الفلسطيني، إلا أن حالةَ الهدوء سادت وميزت تلك الفترة، ولم نشهد أي عمليات تصفية أو تخريب، أو محاولات لزعزعة الأمن إلا من بعض الفئات التي يسري الفلتان في جسدها كسريان الدم.

 

حالة الهدوء التي سادت لم تكن أجهزة الأمن هي اللاعب الأساسي فيها، ولم تصنع هي دور البطولة في تنفيذها، بل كان بالإمكان الانقلاب على السلطة من أول يومٍ لدخولها، خصوصًا مع وجود تيارٍ معارضٍ قوي للأساس الذي تشكلت عليه السلطة، وغياب قطاعٍ واسعٍ من الفصائل الفلسطينية عن دائرة صنع القرار السياسي والأمني، إلا أن المرحلة التي ميزت تلك الفترة كانت تتسم بالعقلانية، والمعارضة الإيجابية الواعية، التي ركَّزت من عملياتها النوعية ضد الاحتلال، وأوقعت الخسائر الفادحة فيه، وتحمَّلت كل الويلاتِ في سبيل مصلحةِ شعبها، ما بين اغتيالاتٍ واعتقالاتٍ على أيدي قوات الاحتلال، وأيضًا الأجهزة الأمنية.

 

وبعد أن تكررت الانتخابات وأفرزت تيارًا جديدًا في الحكم، وأقصت حركة فتح عن الكرسي الذي تربَّعت عليه منذ عشر سنوات، انقلبت المعادلة رأسًا على عقب، وتحولت فتح من السلطة الكاملة، إلى جزءٍ من السلطة، وجزءٍ من المعارضة، إلا أنَّ هذه المعارضة لم تكن أبدًا كما صرَّح مسئولو فتح بأنها ستكون إيجابية، وتكميلاً لدور حماس في السلطة، ومن أجل المحافظة على المصالح الوطنية.

 

فتح وبعد اليوم الأول للانتخابات بدأت تُعدُّ نفسها للعودةِ إلى الهيمنة الكاملة على السلطة، وهذا حق مشروع لأي فصيل، إن سلك في ذلك الطرق الديمقراطية، إلا أنَّ ما لاحظناه كان عكس ذلك، فبعد أن بدأت سلسلة سحب الصلاحيات من الحكومة الفلسطينية، وتحويلها إلى الرئيس ومنظمة التحرير الفلسطينية، بدأت عمليات التخريب الممنهج للمؤسسات العامة الفلسطينية.

 

 الصورة غير متاحة

 شبح المواجهات عاد من جديد!!

فكان الاعتداء على مقرِّ المجلس التشريعي والحكومة الفلسطينية، ثم استهدفت مباني وزارات عدة وحُرقت بالكامل أو أجزاء كبيرة منها، ثم استهدفت المكاتب التي كان يعتقد مستهدفوها أنها تنتمي بشكلٍ أو بآخر لحماس أو أعضاء في حماس، وتطور الأمر أكثر ليطال المساجد التي لها الحرمة والقدسية، وانتهى الأمر باستهداف الجامعات وحرق مبانيها ومكتباتها، واستهداف أستاذتها بإطلاق النار أو الاختطاف.

 

الخطوط الحمراء التي كانت مرسومةً في ذهن المواطن الفلسطيني، والتي كان يعتقد أنها ستكون بعيدةً عن أي خلافاتٍ حزبيةٍ أو مصالح شخصية، وجدت نفسها في واجهةِ الصراع والاستهداف، وذرائع استهدافها دائمًا موجودة، رغم أنها لا تنطوي على عقلية المواطن الفلسطيني، فاستهداف المساجد بحجة أنها ثكنات عسكرية، واستهداف الجامعة الإسلامية بحجة وجود مصانع للأسلحة ومخازن للذخيرة، أقرب ما يكون إلى الهزلية وسذاجة الطرح وضعف التبرير.

 

فالمساجد كانت دائمًا المحضن الأول لتخريج الاستشهاديين والمجاهدين، إلا أنها كانت دائمًا المربي والمعد على المستوى الفكري والعقائدي، ولم تكن في أي يومٍ بؤرة لنشاط عسكري.
وحتى لو افترضنا أن حماس كانت تحاول أن تجعلها كذلك، فدور العبادة لم تكن مقصورةً على فصيلٍ أو تيارٍ بعينه، بل يؤمها أبناء حماس وفتح وجميع المسلمين، فكيف كان باستطاعةِ حماس أن تنقل الأسلحة إلى المساجد في ظل وجود مصلين لا ينتمون لها، ويعتبرون المساجد أماكن للعبادة فقط؟.

 

ومن ذاك الجاهل الذي يمكن أن يُصدِّق أن الجامعة الإسلامية كانت ستسمح ببناء مصانع