بقلم: غسان مصطفى الشامي*
الواقع الذي تحياه غزة الصامدة أليمٌ ومريرٌ، عندما يُقتل العلماء ورجال الفكر والإصلاح دون أي ذنبٍ اقترفوه أو جرمٍ ارتكبوه.. وعندما تنتهك حرمات الإسلام في دار الإسلام.. وعَندما تَفقد غَزة أَزهارها وورودها ورياحينها العبقة الجميلة.. وعندما يُحرم المُجتمع من خيرةِ رجاله الصالحين.. وعندما تتحجر مفردات اللغة ويستعصي اللسان عن الكلام ووصف اللئام.. عندما تذبل الزهور وتنحني رؤوسها وتبكي الأشجار ثمارها.. وعندما تنشد غزة الأمن والأمان.. وتطرد الشر والموت الزؤام.
![]() |
|
غسان مصطفى الشامي |
ها هي غزة المكلومة تحيا أيامًا من الجحيم تَستعر فيها، تنهش من لحمها، تدمر بنيانها وتفتك بأبنائها.. فقد أطفأت نيران الأحداث الداخلية المؤسفة، شموعًا مضيئةً لدروبِ الحرية، إنهم رجال الإصلاح وشيوخه، إنهم علماء الأمة ومفكريها الكبار، إنهم صَدقوا ما عَاهدوا الله عليه فمنهم من قَضى نَحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.
* يا من رَوت دماؤكم الطاهرة الزكية تراب فلسطين، ورفعتم بسواعدكم المباركة راية الحق المبين.. وكنتم حراسًا للعقيدة من مكر الماكرين.. فوهبتم بموتكم في سبيل الله حياةً للعالمين.
* أنتم رجال الدعوة إلى خير الإنسانية، وسعادة البشرية، أصحاب الغايات السامية والإخلاص العميق والإيمان الراسخ، يا من عززتم مواقفكم البطولية بالتوقيع على ما تدعون إليه بدمائكم الطاهرة الزكية، فاستشهدتم في سبيل ما تدعون إليه وتنادون به.
* يا مَن تركتم بصمات مضيئة على صفحات التاريخ البشري، وهذه البصمات تتفاوت بين الرجال وأشباه الرجال، فأصحاب الضجيج الإعلامي والمهازل السياسية والدسائس والخيانة المكرية إنما يتركون بصماتٍ باهتة سرعان ما تزول وتنمحي، أما أنتم أيها الرجال الأشاوس فعملتم بصمتٍ وهدوءٍ وثقةٍ وتركتم بصماتكم على تاريخ هذه الحياة عميقة مؤثرة لا تَمحوها الأعاصير ولا تزيلها الحوادث، بل تزيدها وضوحًا وأثرًا في إحياء الأمة ونهضتها.
* اعلموا أيها الرجال.. أنكم سادة المجتمعات وأشرفها، كيف لا.. وأنتم تَحملون أَعظم رسالة وأنبل غاية، ألا وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، كيف لا.. وأنتم تُضحون بأوقاتكم وأَموالكم وَراحتكم في سَبيل الله وإسعاد أمتكم وقومكم.. وأي غايةٍ أشرف وأنبل من هذه الغاية؟
فلستُ أبالي حين أقتل مسلمًا على أيِّ جنبٍ كان في الله مصرعي
ولست بمُبدٍ للعدو تخشُّعًا ولا جـزِعًا، إنِّي إلى الله مَرجعـي
* وكأنها ساعاتٌ من الجحيم ألمَّت بفلسطين الصابرة، عندما يُخطف الأحباب من هذه الدنيا، وتُطوى صفحاتٌ مشرقةٌ بنور ربها، ليَتركوا من خلفهم فراغًا كبيرًا لا تملأه سوى ذكراهم الخالدة، وميراثهم الفكري الكبير.
* أعظم منة من الله على عبده هي: أن يُهيئ له الأسباب، ليكون من حملةِ هذا الدين، وممن يبذلون الغالي والنفيس لإقامةِ حكم الله في الأرض، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، تلك المنزلة هي أَشرفُ المنازل، وأعلى المقامات، منزلة المرسلين وسبيلهم، عليهم أفضل الصلاة والسلام.
* إنها الحياة.. بحاجةٍ إلى ماءٍ نُغيبه في باطن الأرض لكي تحيا به شجرة الحق التليد.. كما أنها بحاجةٍ إلى زهرةٍ نزرعها على سطح الأرض تنشر عبيرها في الحياة.. ولعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها ولكن أحلام الرجال تضيق.. ويكيفكم أيها الرجال الشوامخ أنكم أصحاب فكرةٍ افتديتموها بأرواحكم وأموالكم وأمنكم وراحتكم.. وسطرتم بدمائكم كلمات الحق المبين؛ لتحيا في نفوس الناس معانٍ عظيمة تعلمنا الثبات على اليقين والنصر الكبير.
