سيد نزيلي

 

تُروِّج وسائل الإعلام المختلفة لفكرة المواطنة وينبري كثير من الكتاب للحديث عنها، ويغالي البعض في بيان منافع هذه الفكرة، وآثارها في واقع حياة الناس، وكأنها جاءت لتخرج الأمة من مأزق أو كأنها قضية القضايا، أو كأنَّ الناس قبل ذلك كانوا في تناحر وحرب وقتال، ثم تفتقت عقول هؤلاء الكتاب والساسة، فاهتدت إلى "المواطنة" لوضع حد لصراع طال زمانه، وتعمقت جذوره وبدا يترك بصماته على حياة الناس، ويؤثر على واقع الحياة اليومية والعامة.

 

وهناك من يزعم أن فكرة المواطنة بديلة لرابطة "الدين" وأنها جاءت لتزيح رابطة "الدين" بل وتمحوه، ولتصبح فكرة "الدين" في نفوس الناس، فكرة شائهة، بل ومشبوهة، بحيث يطول قانون الإرهاب الذي سيتقرر فور الانتهاء من إقرار الإصلاحات الدستورية، يطول هذا القانون كل من يتكلم أو يفكر أو يدعو، إلى فكرة أو رأي يتعارض مع "المواطنة"، وقبل أن ندخل في الموضوع يجب أن نشير إلى الآتي:

 

1- أن الإسلام قد أقر مبدأ المساواة لا بين المسلمين فقط وإنما بين البشر جميعًا مع اختلاف اللون واللسان والعقيدة والوطن، "فالناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود"، "كلكم لآدم وآدم من تراب" والناس كل الناس- في نظر الإسلام سواء، أي متساوون، في الحقوق والواجبات طالما يعيشون في دولة تقيم شريعة الإسلام، وغير المسلم فيها يعيش بعقيدته، ويمارس شعائره، ولا يملك أحد مهما كان وضعه أن يكرهه على الإسلام.. ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256) ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: من الآية 99).

 

ويذكر الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه ملامح المجتمع المسلم "وكم حفل التاريخ السياسي والقضائي في الإسلام بمواقف رائعة حكم فيها لغير المسلمين، ضد للمسلمين، وللرعية ضد الرعاة" صـ135.

 

2- ولما أقام الرسول- صلى الله عليه وسلم- دعائم الدولة في المدينة حرر عقدًا ووثيقةً، مع المقيمين في المدينة من أهل الكتاب وهم اليهود، وبمقتضاه أعطى حق المواطنة لهم. فأصبح لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وتعتبر هذه الوثيقة رائدة في الفكر المتقدم في هذا المجال حتى الآن، وشاهدة على عظمة الإسلام في احتواء الأقليات المختلفة والأديان المخالفة لتمارس حياتها وعقائدها دون حرج أو إكراه أو دونية.

 

3- ولغير المسلم في ظلال شريعة الإسلام كافة الحقوق، فلا يظلمه أحد أو يجور عليه، أو يبغي عليه، أو يسلبه ميزة أو حقًا له، ولا يخفي علينا الحكم الذي قضى به سيدنا عمر- رضي الله عنه- عندما جاءه ذلك القبطي من مصر يشكو إليه اعتداء ابن حاكم مصر في ذلك الوقت (عمرو بن العاص) رضي الله عنه، فتم استدعاء هذا الحاكم ليمثل في المدينة أمام سيدنا عمر، ويطلب من القبطي أن يضرب "ابن الأكرمين" وصارت قولته "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا" مثلاً على عدل الإسلام على مر الزمان.

 

والمسلمون يرحبون بمبدأ "المواطنة" ويرون أنه لم يأتِ بجديد، وأنه لا تنافر أبدًا بينه وبين قيم الإسلام وأصوله العليا، وهو يمثل جوهر الإسلام في تعامله مع كل أشكال الطيف في المجتمع، ونرى أن يتم ذلك وفق ضوابط محددة منها:

 

1- ألا تمثل "المواطنة" حجر عثرة أمام ممارسة المسلمين شعائرهم وعبادتهم والاحتفاء بأعيادهم ومناسباتهم، وكذلك حقهم في أن يطالبوا بتطبيق شريعة الإسلام في واقع حياة المجتمع- وهم الأغلبية الساحقة فيه- وأن يقيموا هذه الشريعة واقعًا وتطبيقًا وممارسةً ولا يؤخذ ذلك على أنه افتئات للآخرين.

 

2- ويجب ألا تكون مادة "المواطنة" التي يراد إقرارها في التعديلات الدستورية سالبة لكافة متطلبات المادة الثانية من الدستور، وخا