بقلم: د. حمدي حسن*

تقول الحكومة لتبرير هذه التعديلات: إنها جاءت..

1- لتبقى المواطنة وحدها أساسًا للتعايش ومنهاجًا للعمل السياسي.

2- لمواجهة الممارسات التي تسعى إلى خلط الدين بالسياسة والسياسة بالدين.

3- لمواجهة إيقاع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وهو ما يتماشى أيضًا مع التعديل المقترَح للمادة الأولى التي تؤكد أن نظام الدولة يقوم على مبدأ المواطنة.

 

وهذ مغالطات نؤكدها فيما يلي:

الحكومة تؤكد تبنِّيَها المبدأ العلماني الأتاتوركي لا دينَ في السياسة ولا سياسةَ في الدين، وتريد بهذا التعديل فصْلَ الدين عن الدولة، وتفريغ المادة الثانية من الدستور من مضمونها؛ لتصبح عديمةَ الجدوى.

 

الحكومة تريد سياسةً لا دينَ لها، سياسةً لا أخلاق فيها, بدون أمانة, بدون حرمات, معلنةً أنها تعتنق مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" المرفوض إسلاميًّا، النظام لم يتعوَّد أن يقيِّده قانون؛ لأنه يعيش في طوارئ منذ بداياته وحتى الآن، ولم يحاسبه أحد على نهْب المليارات من أموال البنوك أو على غرق عبَّارة فيها 1200 مصري دفعةً واحدةً، ولم يحاسبه أحد على فساد انتشر في طول البلاد وعرضها، فكيف يرتضي أن يكون هناك دينٌ في السياسة؟!

 

وإن التعديل بهذه الإضافة يُفرغ المادة الثانية من مضمونها، بل هي اتهام مباشر بأن الشريعة الإسلامية ضد حقوق المواطنة.. وهذا غير صحيح تمامًا.. يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" وهذا هو مبدأ المواطنة، بعيدًا عن الأصل واللون، وفي القرآن يقول تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ (195)﴾ (آل عمران)، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾ (الحجرات)، وفي هذا تقريرٌ لحقوق المواطنة بعيدًا عن الأصل واللون والجنس.

 

القرآن الكريم نزل بتسع آيات كاملة، نتلوها جميعًا الآن نتعبد بها لله تعالى، مبرِّئًا يهوديًّا اتُّهِم عمدًا في سرقة؛ لمحاولة تبرئة أحد المسلمين، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا* وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا* وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا* يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا* هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً* وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا* وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا* وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: الآيات من 105: 113)، وفي هذا إقرارٌ لمبدأ المواطنة، مستندًا إلى الشريعة الإسلامية، دون التفرقة على أساسٍ من الدين، إضافةً للقاعدة الفقهية عن وضع أهل الكتاب: لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وقد أباح الإسلام لغير المسلمين من أصحاب الديانات السماوية الأخرى ممارسة شعائرهم الدينية كاملةً، وهو تقريرٌ أكيدٌ