بقلم: د. حامد أنور

في أعماق الجحيم تتولد الحكمة، ووقت الشدة يظهر الصديق، وعند اللقاء ينسلخ الحلفاء من الأعداء، إنَّ لهيبَ المحن حين ينزل بالأمة كما تنزل الصواعق من السماء يكون لها من الخير ما يتساوى مع شدتها، ومن النفع ما يوازي حرارتها فيكفي أنها تُفرز أبناء الأمة وتُظهر الطيبَ من الخبيث والحسنَ من السيء والجميلَ من القبيح.

 

تُظهر أصحاب المعدن الأصيل من الرخيص، وتُظهر الذهب من الفالصو الذي يتخفَّى وراء قشرةٍ زاهيةٍ تُخفي طبيعته المغشوشة.. فالسودان بعد أن ملأ الدنيا ضجيجًا وارتدى قادته ملابس الرجال عادوا وخلعوها، ووافقوا على دخول القوات الدولية بعدما حدث في الصومال، رغم أن الحربَ لم تنتهِ بل قد بدأت، وسيتم نقل المشهد العراقي بكل تفاصيله وملامحه إلى القرن الأفريقي كله الذي سيشتعل ولن يستطيع أحدٌ إطفاءه، وما زالت أمريكا تمارس حماقاتها بغباءٍ شديدٍ يندهش له أعداؤها قبل حلفائها دون أن تتعلم من أخطائها.

 

ومن هؤلاء الذين سقط عنهم القناع في تلك المحنة الطاحنة التي تضرس بالأمة حركة فتح.
لقد تآمرت حركة فتح بشكلٍ يندى له جبين التاريخ الذي لم يشهد طول تعامله مع الجنس البشري أناسًا بهذه النوعية يحاصرون أبناء وطنهم بالاشتراك مع عدو يحتل أرضهم ويقتل أبناءهم لا يرحم ضعفاءهم ويمنع عنهم نسمات الحياة، ومع ذلك يضعون يدهم في يده ويخنقون المقاومة الشريفة التي تُدافع عن الكرامةِ والحريةِ تلك الحرية التي يشتاق أبناء الشعب الفلسطيني إلى تنسم عبيرها إلى لمساتٍ ولو قليلة منها ترفع عنهم الهم والغم الذي يستنشقونه مع طليعةِ كل صباح.

 

لا أدري كيف سيذكر التاريخ تلك الحركة التي خرجت سفاحًا من كفاح الشعب الفلسطيني  هل سيذكرها بأحرفٍ سوداء تتناثر على جانبيها الدماء أم سيمتنع خجلاً واستحياء؟ هل سيتعرض لها أم يترك مكانها فراغًا يضع مكانها عبارة واحدة جملة واحدة تكون خير تعبير عنها ومختزلاً لكل أفعالها وتصريحاتها وتصرفاتها الإجرامية، فيكتب ويديه ترتعش.. "إن لم تستحِ فافعل ما شئت".

 

إن موظفي حركة فتح لا يقومون بعملهم بجد ونشاط إلا على المعابر؛ فيمنعون عن إخوانهم القوت والكفاف, مجتهدين فقط في اختلاق الأزمات وتنطيم الإضرابات، أما غير ذلك فلا تراهم أينما تول وجهك في ساحاتِ الرجال، عندما حوصر سجن أريحا خلعوا ملابسهم وعندما اجتيح بيت حانون لزموا بيوتهم.. إن ثوب النضال المزعوم الذي يرتدونه بدأ يتآكل  بسبب التنازلاتِ والتصريحاتِ التي يتقيأها قادتها أصبح خرقةً باليةً لا تستر, ثوبًا مهلهلاً لا ينفع فيه الترقيع، أصبح يُدين كل مَن يلبسه ويجلب العار لكل مَن يتمسح فيه، لم يعد يمكن استخدامه إلا في حفلةٍ تنكريةٍ في احتفالاتِ رأس السنة العبرية.

 

ولم أكن أدرك حتى وقتٍ قصيرٍ أي فتحٍ هذا الذي يحملون اسمه؟ هل هو فتح باب الفتنة بين الفلسطينيين وإعمال الفرقة بينهم؟ هل هو فتح زجاجات الويسكي وصالات القمار التي أقاموها في غزة وأريحا بعد أوسلو أم فتح المزاد على بيع أرض فلسطين؟.. ولكن السيد عباس أرشدني بتصريحه الجميل عن المعنى حين أشار إلى فتح قناة خلفية مع الكيان اليهودي برعايةِ الرباعية.

 

إنهم يبيعون المقاومةَ في سوقِ النخاسة.. على الهواء في وضحِ النهار.. أخشى ما أخشاه على الإخوةِ المنتسبين في حركة فتح أن يكونوا من أولئك النفر من المنافقين الذين أشارت إليهم سورة الحشر التي تحدثت عن طردِ اليهود في أول تجمعٍ لهم تحت راية الإفساد في الأرض عندما قالوا لهم: إنا معكم، لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولئن قوتلتم لننصرنكم.

 

إنني أخشى عليهم أن يطيعوا أولئك القادة في جلب الهلاك لهم والعذاب الأليم لأنفسهم فيصرخون من حناجرهم والحزن والأسى يملأهم.. ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا.. ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا.. ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا.

 

السيد عباس حين يلتقي أولمرت ألم يتراءى أمام عينه ولو للحطاتٍ مشهد هدى غالية وهي تبكي أسرتها على شواطئ غزة؟!.. مشهد يجعل الأحجار تئن.. فما له لم يئن؟! ألم يطرق سمعه نحيب الثكالى والأرامل يبكين في ظلمات الليل شبابًا في ريعانه.. فما له يبتسم؟! ألم يتذكر أن هناك بيوتًا قد دُمرت ومساجد هُدمت ومحطات كهرباء قد نُسفت.. فما له يمد يده ويصافح؟!

 

يا سيد عباس.. إنَّ أشجارَ الزيتون تبكي في أرض بيت المقدس.. فما لمقلتيك قد تحجَّرت؟!!