بقلم: المهندس/ سعد الحسيني*
بينما ينطلق الجميع إلى عالم المستقبل بحماسة لا نظيرَ لها يتعرض المصريون إلى قدرٍ هائلٍ من الضغوط التي تحاول دفْعَ عجلة الحياة إلى الوراء في تحدٍّ صارخ لمتطلبات الحياة والحضارة.
انعدام الشفافية، وعدم المصداقية، والفساد، والتخبُّط، والتضارب بين وجاهة الأرقام وفداحة الواقع هي مؤشراتٌ غَيَّبَت الجانب المُشرق للحياة في مصر على مدار نصف قرن؛ لذلك نحن لا نُدين الذين أصبح لديهم رصيدٌ متراكمٌ من الخبرات تجعلهم ينظرون برِيبة وشكٍّ للجمل الكبيرة والعبارات المصفوفة والمنمَّقة والتي صاحبت التعديلات الدستورية المقترحة.
إننا نزعم أن إرادة الإصلاح ليست موجودة (ولا سيما مع عدم المساس بالمادة 77 من الدستور).
إن هذه التعديلات ما هي إلا تكريسٌ لأوضاع قائمة، وتهدف إلى حلِّ مشكلات الممارسات الدكتاتورية للنظام وليس حلّ مشكلات المصريين.
إننا أصبحنا أمام حالة توريث للاستبداد والفساد بعد أن كنا نخاف من حالة توريث السلطة، ولذلك نحن نلخِّص الموقف الذي فرضته علينا المقترحات المطروحة بأنها في النهاية هي (ردة ديمقراطية).
أما تعديل المادة 88 تحت مسمَّى تطوير نظام الإشراف القضائي أو اللجنة المستقلة، فنحن ندرك أن النظام لم يكن ليوافق على الإشراف القضائي إلا مضطَّرًّا، ونتفق مع رؤية د. محمد السيد السعيد في أن الخبرات السابقة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لم تكن مشجِّعةً على الإطلاق، بل هي خطوةٌ مخيفةٌ تُزيل الضمانة الوحيدة لعملية انتخابية نزيهة.
والدولة لم تكن لتهتم بصَوْن كرامة القضاة وحماية استقلاليتهم بعد أن نزلوا الميدان وكشفوا سوأتها.
فتعرَّض عدد كبير منهم للاعتداء والإهانة والحبس، وذلك لم يكن بمعزل عن ذراع السلطة التنفيذية الضاربة، وهو أمرٌ يدركه تمامًا القضاةُ، كما أن القاضي الذي تعرَّض للانتهاك والسَّحْل يعرف الجميع أنه لم يكن أمام إحدى اللجان الانتخابية.
والقضاة لم يتهرَّبوا من الواجب رغم فداحة الضريبة، بل أكدوا تمسُّكَهم بالإشراف الكامل وغير المنقوص على العملية الانتخابية برمَّتها، بدءًا من تنقية الجداول، وانتهاءً بإعلان النتائج، بل إن المستشار زكريا عبد العزيز قد طالب بحماية القوات المسلَّحة، حينما تخلَّت قوى الأمن عن حيادها وانحازت (بالقتل والجرح والاعتقال والحبس للآلاف) لطرف على حساب آخرين.
ومن الجدير بالذكر أن نُهى الزيني حينما كشفت عن التزوير الفاضح في دائرة دمنهور، وتحدثت عن القضاء المنبطح.. كانت تؤكد على تغوُّل السلطة التنفيذية وانقضاضها على الحصن الأخير الذي يلوذ به الشعب.
المصريون جميعًا يعلمون أن هذا التعديل ليس لوجه الله وليس لوجه مصر، ولكن لوجه فئة ضئيلة جدًّا إن لم يكونوا أفرادًا معدودين.
المصريون جميعًا يعلمون أن هذا التعديل بالذات لا يحقِّق صالحهم ولا يصون إرادتهم.
المصريون جميعًا يعلمون أن المبررات التي سِيقت لطرح هذا التعديل هي مبررات واهية تمامًا، وأن الصعوبات المدَّعاة يسهل تداركها على الدولة.
المصريون جميعًا يعلمون أن النظام عندما حشد مئات الآلاف من جنود الأمن المركزي لتزوير إرادتهم في المرحلة الأخيرة من انتخابات مجلس الشعب الأخيرة يدركون حينئذٍ أسبابَ هذا التعديل المقترح.
وبعيدًا عن نظرية المؤامرة نحن نستشرف نوايا سيئةً لدفع الغالبية العظمى من الشعب إلى الانزواء والانعزال بتكريس نظرية التزوير، وهو أمرٌ وإن كان سيدعِّم من أبدية السلطة.. إلا أنه سيدمِّر مناخات التسامح ويعصف بقيم المشاركة والحوار.
إننا نؤكد أن النواب الذين سوف يتعاملون مع الحقيقة ويساهمون في تمرير هذه التعديلات سوف يكونون أول ضحاياها، فلا هُم حقَّقوا مصالحَهم الخاصة ولا هم صانوا صالح الوطن.
إننا لوجه الله ثم لصالح هذا الوطن نناشد الجميعَ من أبناء هذه الأمة، وخاصةً نواب الحزب الوطني الغيورين منهم على مستقبل مصر أن يقفوا معنا من أجل عدم تمرير هذا التعديل؛ حفاظًا وصيانةً لإرادة المصريين.
--------
* الأمين المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب